يتزايد عاماً بعد الآخر إقبال النساء على التعليم العالي بأنواعه في بلادنا، بحيث أصبحت نسبة الإناث إلى الذكور تعادل الثلثين إلى الثلث أو أكثر في المعاهد والجامعات الفلسطينية، وهذا ينطبق على التعليم في المدارس، فتسرب الفتيات من المدارس، كما كان قبل سنوات عديدة انخفض وبشكل واضح، وهذه المؤشرات الإيجابية من المفترض أن تعتز بها الأسرة التعليمية والنساء والبيئة الحاضنة لهن، هذا على الرغم من أن هذه الزيادة لم تنعكس بالصورة الإيجابية المتوقعة والمطلوبة على المسارات العملية والاجتماعية والاقتصادية للنساء في بلادنا، سواء فيما يتعلق بالانخراط في سوق العمل أو في إحداث التغييرات في الأنماط والمفاهيم والقيم الاجتماعية وانعكاساتها الاقتصادية، أي التغييرات المتوقعة من منظور النوع الاجتماعي.
والمساواة أو التعامل من خلال القوانين أو السياسات أو الإستراتيجيات أو البرامج والمشاريع من منظور النوع الاجتماعي، تعني الأخذ بعين الاعتبار عدة مسارات تتعلق بمفهوم النوع الاجتماعي، منها الأدوار والمسؤوليات والواجبات والتعامل معها في إطار النوع الاجتماعي، ومنها الاحتياجات والحقوق والخصوصيات، ومسار الوصول إلى مصادر الإنتاج والتملك واستغلالها والاحتفاظ بها بحيث تحقق مصالح النوع الاجتماعي، ومن هذا المنطلق يشكل التعليم أو نظام التعليم بشموليته الإطار الأمثل والأكثر استدامة لأخذ مسارات النوع الاجتماعي بعين الاعتبار، وفي مجالات متعددة، لانعكاسات كل ذلك على نواحي مختلفة من الحياة مرتبطة بمنظور النوع الاجتماعي.
ومن أهم مسارات التعليم المفترض مأسسة منظور النوع الاجتماعي من خلالها المناهج بإطارها الشامل، ومن خلال مختلف التخصصات الأدبية والعلمية والمهنية، وفي مختلف المراحل التعليمية، ومن خلال المحتوى أو المضمون والكوادر البشرية التي تقوم بإعداد المناهج، خصوصاً في الصفوف الأولى، التي تتم المأسسة المستدامة من خلال البناء عليها، ومنظور النوع الاجتماعي في المناهج من المفترض أن يراعي ويركز على الفروق من خلال النماذج والصور وطريقة العرض والتطبيق، بشكل يتم فيه توضيح الحاجات والحقوق والمسؤوليات والواجبات ووسائل الوصول والتواصل والتحكم، وكل ذلك من منظور النوع الاجتماعي.
ومن أركان مسارات التعليم الأخرى التي من المفترض أن يتم بناؤها من منظور النوع الاجتماعي الموارد البشرية التعليمية، أي المعلمات والمعلمين، الذين من المفترض أن يقوموا بإيصال ما تحوية المناهج من مضمون وصور وأنشطة إلى الطلبة، من إناث ومن ذكور، بالشكل الذي يراعي النوع الاجتماعي، وفي نفس الوقت تأصيل هذا المفهوم لكي ينعكس تدريجيا وخلال المراحل المختلفة إلى البيئة المحيطة من خلال الطلبة، وبشكل يتم فيه الحفاظ على ما ينجز في غرف التدريس وبشكل مستدام وينعكس بشكل أو آخر على مناحي الحياة العملية بعد الانتهاء من التعليم.
وهناك مسار البيئة المدرسية بإطارها الواسع من الأبنية والخدمات والمرافق والنشاطات اللامنهجية والعلاقات داخل هذه البيئة، وما إلى ذلك من أمور لها علاقة بوجود طالبات وطلاب داخل هذه البيئة، لهن أو لهم احتياجات وحقوق ومسؤوليات وطرق مختلفة للوصول وللتواصل، وظروف أفرزتها نظم ومفاهيم المجتمع، والتي أحدثت الفروقات بين الذكر والأنثي من منظور النوع الاجتماعي.
ومع وجود هذه الفرص أو المسارات، التي ليس من الصعب أخذها بعين الاعتبار في نظام التعليم في بلادنا، بداية من التعليم الأساسي إلى التعليم العام والعالي، إلا أن هناك تحديات من المفترض عدم تجاهلها والتعامل معها بالصورة الإيجابية من منظور النوع الاجتماعي، وهذه التحديات منها الثقافة المجتمعية المتأصلة التي ما زالت ومن نواح عديدة لا تراعي خصوصية النوع الاجتماعي، ومنها تجاهل أو عدم شمول سياسات وإستراتيجيات التعليم وبشكل واضح مفاهيم النوع الاجتماعي، ومنها عدم وجود الإطار القانوني الملزم، وضعف الوعي أو الإلمام خصوصاً من الكوادر التي لها علاقة مباشرة بعملية التعليم، وهذا من المفترض التركيز عليه وبناء القدرات، نوعياً وكمياً.
- صحيفة الايام
- ي.ك

