كشفت معطيات الرصد التوثيقي لمركز “صدى سوشال” خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2026 عن استمرار تصاعد وتيرة التضييق الرقمي وهندسة الرقابة المشددة المفروضة على السردية الفلسطينية، حيث تعامل الفريق مع أكثر من 740 انتهاكاً رقمياً جرى رصدها بدقة.
وتأتي هذه المؤشرات المتزايدة لتؤكد استدامة التوجه الممنهج نحو عزل الصوت الفلسطيني، وخنق المنابر الإعلامية، والنشطاء الفاعلين في الميدان الصحفي، أو الناشطين في الفضاء الرقمي. وقد فرز المركز الحالات الموثقة تقنياً وقانونياً بناءً على طبيعة السلوك الرقمي والجهة المسؤولة عنه إلى مسارين متوازيين:
• الانتهاكات البينية (بين المستخدمين): استحوذت على الكتلة الأكبر والساحقة من التوثيقات بواقع 722 انتهاكاً. ويُظهر هذا التدفق الرقمي الكثيف استدامة المخططات التحريضية التي تقودها شبكات وحسابات منظمة (جيوش إلكترونية) لبث “السلوك السمّي”، وتلفيق حملات الاغتيال المعنوي، وتزوير الحسابات وانتحال الهويات، مما يخلق بيئة افتراضية عدائية تدفع أصحاب الرواية المحلية نحو الانكفاء وتقييد ذاتهم رقمياً.
• الانتهاكات الرقمية الصادرة عن إدارات المنصات: جاءت كمحصلة للقرارات والسياسات المباشرة لكبرى شركات التكنولوجيا بواقع 18 انتهاكاً رقمياً، وتمثلت هذه الإجراءات في حظر معرفات رقمية بالكامل، وتقييد مستويات الوصول، فرض قيود النشر، وحظر البث المباشر.
خارطة القيود الرقمية من المنصات: استمرار “مقص الرقابة” عبر الفضاء الافتراضي
أظهر تحليل الانتهاكات الرقمية الـ 18 الصادرة عن إدارات الشركات التكنولوجية استمرار الانحياز الهيكلي ضد المحتوى الفلسطيني، حيث هيمنت منصات شركة “ميتا” مجدداً وبشكل مطلق على السلوك الرقابي مستحوذة على الغالبية العظمى من القيود؛ وجاء توزيع هذه الإجراءات على النحو التالي:
• منصة إنستغرام: تصدرت قائمة المنصات المقيِّدة خلال هذا الشهر برصد 6 انتهاكات رقمية.
• تطبيق واتساب: شهد تصاعداً ملحوظاً في استهداف الحسابات والمجموعات الفلسطينية بواقع 6 انتهاكات رقمية.
• منصة فيسبوك: تراجعت نسبياً في الترتيب مقارنة بالشهر السابق لكنها حافظت على دور رئيس في التضييق بتسجيل 5 انتهاكات رقمية.
• منصة إكس (تويتر سابقاً): دخلت خط التقييد المباشر خلال هذا الشهر برصد انتهاك واحد (1) طال المحتوى الفلسطيني.
سيطرة متواصلة للتطاول اللفظي وخطاب الكراهية وتصاعد خطير لاتهامات الإرهاب
أماط تفكيك بنية الانتهاكات البينية (بين المستخدمين) لشهر تشرين الأول/ أكتوبر، البالغ إجماليها 722 انتهاكاً، اللثام عن استمرار الهيمنة المطلقة لثنائية الشتائم وحملات الاغتيال المعنوي؛ حيث تصدر “التطاول اللفظي” واجهة السلوكيات العدائية برصد 451 حالة وبنسبة بلغت 62.47%، تلاه مباشرة “خطاب الكراهية وتشويه السمعة” بواقع 197 حالة وبنسبة شكلت 27.29% من المجموع العام لهذه الفئة.
وقد استحوذ هذان النمطان الممنهجان مجتمعين على 89.75% من إجمالي الفضاء الصدامي بين المستخدمين، في مؤشر واضح على استدامة استراتيجية “الضخ السمّي” الهادفة لترهيب أصحاب الرواية الفلسطينية وخلق بيئة افتراضية طاردة.
وفي تحولٍ لافتٍ يعكس نبرة أكثر خطورة في الملاحقة الرقمية، رصد الفريق تصاعداً حاداً في حالات “الاتهام بالإرهاب ونزع الوطنية” بتسجيل 15 حالة خلال هذا الشهر، وهو ما يمثل قفزة نوعية ومقلقة مقارنة بشهر أيلول/ سبتمبر الماضي الذي وثق المركز فيه 3 حالات فقط، الأمر الذي يُنذر بشرعنة إضافية للملاحقة القانونية والأمنية للمستخدمين خلف الشاشات.
كما رصد الفريق طيفاً من الانتهاكات المصاحبة والموجهة ضد الأفراد والنشطاء في ذات السياق، تمثلت في 8 حالات تحريض، و6 حالات تهديد مباشر، بينما توزعت الحالات الـ 45 المتبقية (بنسبة 6.23%) على سلوكيات تقنية وانتهاكات رقمية متنوعة أخرى.
الصحافة والمرأة في مرمى الاستهداف الرقمي: ملاحقة ممنهجة ومتكررة
كشفت المؤشرات التوثيقية لمركز “صدى سوشال” خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2026 عن استمرار الملاحقة الرقمية الموجهة ضد صناع الحقيقة والكوادر الإعلامية، وإن شهدت تراجعاً رقمياً نسبياً مقارنة بالشهر الماضي، إلا أن نوعية الاستهداف ظلت تعكس إصراراً على حظر التغطية الإخبارية؛ حيث رصد الفريق 35 انتهاكاً رقمياً استهدف الصحفيين والمؤسسات الإعلامية بشكل إجمالي.
وأظهر التحليل البنيوي للانتهاكات الموجهة ضد القطاع الصحفي توزيعاً يعكس استهداف كل مكونات العمل الإعلامي؛ إذ جرى تسجيل 16 انتهاكاً ضد صحفيات إناث، و13 انتهاكاً ضد صحفيين ذكور، في حين سجّل المركز استهدافاً مباشراً لـ 6 مؤسسات ومواقع صحفية وإخبارية فلسطينية، جرى تقييد وصولها أو حظر منصاتها الرسمية لمنعها من ممارسة دورها المهني في نقل الواقع الميداني للرأي العام.
وعلى صعيد البُعد الجندري وحماية النساء في البيئة الافتراضية، رصد التقرير 56 انتهاكاً رقمياً طالت النساء والناشطات الفلسطينيات بالمجمل. وأظهرت القراءة التحليلية لهذه الفئة تركزاً مكثفاً للعدوان الرقمي ضد الهوية المهنية والجندرية معاً؛ إذ إن 53.57% من إجمالي الانتهاكات المرصودة ضد النساء كانت موجهة ضد صحفيات إناث (بواقع 30 انتهاكاً).
وفي مؤشر خطير رصده الفريق التوثيقي، برز تكرار لأسماء صحفيات وناشطات بعينهن جرى استهدافهن في الأشهر الماضية وعاود الفضاء الرقمي استهدافهن خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2026. هذا التكرار الممنهج لأسماء محددة يُثبت بما لا يدع مجالاً للشك وجود خطة ومنهجية واضحة للاستهداف، تهدف إلى ممارسة ضغوطات نفسية ورقمية متواصلة على هؤلاء الصحفيات لدفعهن نحو الرقابة الذاتية وخنق أصواتهن الشاهدة على الحقيقة.
الاستجابة لبلاغات الانتهاكات وجهود الدعم التقني والقانوني
في إطار دور الحماية الذي يمارسه مركز “صدى سوشال” للدفاع عن الحقوق الرقمية الفلسطينية، تعامل الفريق الفني والقانوني خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر مع 18 شكوى وبلاغاً رسمياً تقدم بها مستخدمون وصحفيون تعرضت فضاءاتهم الرقمية لانتهاكات مباشرة من قِبل إدارات المنصات التكنولوجية.
ونتيجة لتدخلات المركز القانونية والتقنية الحثيثة والضغط المستمر على شركات التكنولوجيا، نجح الفريق في استعادة 4 حسابات رقمية بالكامل وإعادة تفعيلها بعد تعرضها لإجراءات تعسفية مجحفة، ما ساهم في الحفاظ على استمرارية هذه المنابر في نقل الرواية المحلية وحمايتها من العزل الرقمي.
توصيات مركز “صدى سوشال”
يطالب مركز “صدى سوشال” كبرى شركات التكنولوجيا وإدارات المنصات الرقمية بإنهاء الانحياز الهيكلي وتفكيك آليات الحظر الآلي الموجهة ضد المحتوى الفلسطيني، مع ضرورة مراجعة سياسات النشر وتعاريف “المحتوى الإرهابي” التي تُستغل كذريعة لتقييد حسابات الصحفيين والنشطاء وتجريم السردية المحلية. كما يشدد المركز على وجوب احترام خصوصية المراسلات عبر تطبيقات المحادثة مثل “واتساب”، وتفعيل خوارزميات رادعة لكبح حملات الجيوش الإلكترونية والحد من سلوكيات الضخ السمّي والتشويه المنظم عبر الفضاء الافتراضي.
وفي المقابل، يحث المركز المؤسسات الإعلامية والكوادر الصحفية على تبني استراتيجيات استباقية للمرونة الرقمية عبر تنويع منصات النشر وإنشاء حسابات بديلة وموثقة لضمان استمرارية التغطية، مع توفير شبكات أمان ودعم تقني ونفسي للصحفيات والأسماء المستهدفة بشكل متكرر. كما يوصي عموم المستخدمين والنشطاء بتحصين حساباتهم من خلال تفعيل ميزة “التحقق الثنائي” لصد محاولات التزوير وانتحال الهويات، مؤكداً على الأهمية البالغة للتوثيق الفوري والمنهجي لكافة حملات التحريض، التهديد، أو اتهامات الإرهاب المتصاعدة، وتزويد المركز بها لتبويبها ضمن ملفات قانونية وحقوقية قادرة على ملاحقة الانتهاكات والدفاع عن الرواية الفلسطينية.

