لم يكن صباح يوم الخميس عاديًا على 13 عائلة فلسطينية في بلدة بدو شمال غرب القدس، إذ استيقظت على وقع اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي برفقة آليات الهدم، قبل أن تجد نفسها بلا مأوى، بعدما هدمت 5 منازل وعمارة سكنية مكونة من ثلاثة طوابق، وشرّدت 105 مواطنين، في عملية هدم وصفها سكان البلدة بأنها غير مسبوقة من حيث حجمها وطبيعة المباني المستهدفة.
وبينما كانت الجرافات تهدم المنازل، حاول أصحابها إنقاذ ما أمكن من الأثاث والمقتنيات، لكن الاقتحام المفاجئ وإغلاق الطرق والاعتداء على الأهالي حال دون إخراج معظم محتوياتها، لتجد العائلات نفسها أمام ركام منازلها، فيما بات همّها الأول البحث عن مأوى يؤوي أفرادها.
مصطفى أبو عيد، أحد سكان البلدة، قال إن قوات الاحتلال هدمت منزل شقيقه عيد ومنزل شقيقته فاطمة، رغم عدم وجود أمر بالهدم وإنما قرار وقف بناء، وفق ما أكده المحامي للعائلة صباح اليوم، بعد التواصل معه بالتزامن مع وصول قوات الاحتلال.
وأوضح أبو عيد، أن العائلات كانت تلقت إخطارات بوقف البناء قبل نحو أربع سنوات، وعملت حينها على توكيل محامٍ والتواصل مع هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لمتابعة القضية، لكنها فوجئت اليوم بتنفيذ الهدم دون إنذار مسبق.
وأضاف أن قوات الاحتلال أغلقت الطرق المحيطة بالمنازل، وأطلقت قنابل الغاز والرصاص في الهواء، واعتدت بالضرب على أفراد من العائلة، بينهم شقيقه ووالدته وأبناء عمه، كما تعرض هو وأفراد آخرون للاعتداء أثناء محاولتهم الوصول إلى المنازل.
وأشار إلى أن العائلة تمكنت من إخراج الأطفال في ساعة مبكرة قبل بدء عمليات الهدم، فيما لم تستطع إخراج سوى ثلاجة وبعض الكراسي وقطع الأثاث البسيطة، بعد شجارات واعتداءات وتدافع مع قوات الاحتلال.
وبيّن أن المنازل شُيّدت قبل نحو 20 عامًا، وكان منزل شقيقه عيد يؤوي أسرته المكونة من زوجته وثمانية أفراد، فيما تقيم شقيقته في المنزل الآخر مع ولديها المتزوجين وأسرتيهما.
ولفت إلى أن العمارة السكنية التي هُدمت بلغت كلفتها أكثر من مليوني شيكل، مؤكدًا أن العائلة تحاول حاليًا استئجار منازل في بلدة بدو لتوفير مأوى للعائلات التي فقدت مساكنها.
من جانبه، قال عضو بلدية بدو سالم أبو عيد إن قوة كبيرة من جيش الاحتلال والإدارة المدنية، ترافقها آليات الهدم، اقتحمت البلدة صباح الخميس، وشرعت بهدم خمسة منازل وعمارة سكنية مكونة من ثلاثة طوابق، تسكنها 13 عائلة، ما أدى إلى تشريد 105 مواطنين.
وأوضح، أن بعض المنازل المستهدفة كانت تلقت إخطارات بوقف البناء وليس بالهدم، مشيرًا إلى أن عمليات الهدم نُفذت دون إنذارات مسبقة أو إخطارات بالهدم.
وأضاف أن قوات الاحتلال لم تسمح للعائلات بإخراج أثاثها ومقتنياتها، وهدمت المنازل فوق محتوياتها، فيما تتجمع العائلات حاليًا فوق ركام منازلها، وتحاول انتشال ما تبقى من ممتلكاتها.
وأشار أبو عيد إلى أن الاحتلال يبرر عمليات الهدم بوقوع المنازل في المنطقة المصنفة “ج”، وقربها من جدار الفصل، إلا أنها تبعد عنه نحو 350 مترًا.
وحذر من أن الخطر لا يقتصر على المنازل التي هُدمت اليوم، إذ توجد في البلدة نحو 20 إخطارًا بالهدم تهدد منازل مواطنين آخرين، لافتًا إلى أن عمليات الهدم طالت سابقًا منازل ومنتزه البلدية وأسوار منازل.
وأكد أن البلدة تشهد تصعيدًا في عمليات الهدم، وأن وتيرتها ازدادت خلال عهد الحكومة الإسرائيلية الحالية، مع تنفيذها بصورة متسارعة.
وعلى المستوى الرسمي، قال مدير دائرة النشر والتوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داود إن تغييرات طرأت على سياسة الاحتلال في تنفيذ عمليات الهدم خلال عهد الحكومة الإسرائيلية اليمينية الحالية، سواءً من حيث سرعة التنفيذ أو طبيعة المباني المستهدفة.
وأوضح داود أن التغيير الأول يتمثل في تقليص الفترة الفاصلة بين إصدار إخطارات الهدم وتنفيذها، وعدم انتظار نتائج الاعتراضات القانونية، أو المضي في عمليات الهدم فور انتهاء هذه الاعتراضات، بما يقلص فرص الفلسطينيين في حماية منازلهم عبر المسارات القانونية.
أما التغيير الثاني، فيتمثل، وفق داود، في انتقال الاستهداف من البركسات والخيام والمنشآت غير المأهولة إلى المباني الإسمنتية الكبيرة ومتعددة الطوابق، بما فيها المباني التي تقطنها عائلات فلسطينية.
وأضاف أن الاحتلال يسعى من خلال ذلك إلى تحقيق عدة أهداف، أبرزها تكبيد الفلسطينيين خسائر مادية كبيرة، عبر استهداف مبانٍ كلف تشييدها مبالغ طائلة، إلى جانب الضغط على السكان وردعهم عن البناء مستقبلًا.
وأشار إلى أن الهدف الاستراتيجي يتمثل في حصر الوجود الفلسطيني ضمن كانتونات جغرافية ضيقة، ومنع الفلسطينيين من البناء والتوسع الطبيعي، بالتزامن مع توفير التسهيلات للمستوطنين لتوسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
ولفت داود إلى أن الاعتراضات القانونية على إخطارات الهدم لا تحقق عادة نتائج ملموسة، في ظل ما وصفه بالتواطؤ بين المحاكم الإسرائيلية والجيش ومنظومة تقييد البناء الفلسطيني، مؤكدًا أن الهيئة تواصل متابعة هذه الملفات بهدف كسب الوقت ومحاولة حماية المنازل، رغم رفض سلطات الاحتلال المصادقة على التراخيص والمخططات الهيكلية الفلسطينية.
وختم بالإشارة إلى أن عمليات الهدم في الضفة الغربية تشهد تصاعدًا خلال عام 2026، ليس فقط من حيث عدد المنشآت المستهدفة، بل أيضًا من حيث طبيعتها وحجم الخسائر التي تلحق بأصحابها، موضحًا أن أكثر من 1600 منشأة فلسطينية هُدمت منذ مطلع العام وحتى اليوم، وفق بيانات الهيئة.
المصدر: الترا فلسطين
ي.ك

