قال الخبير الاقتصادي والباحث في المالية العامة مؤيد عفانة، إن تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة سيكون له أثر مباشر على واقع الاقتصاد الفلسطيني والمالية العامة، خصوصاً في ظل استمرار احتجاز إسرائيل أموال المقاصة، والقيود المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني.
وأوضح عفانة في حديث خاص لـ”الاقتصادي” أن إسرائيل ما زالت تحتجز كامل إيرادات المقاصة منذ أيار/ مايو 2025، إضافة إلى اقتطاع وحجز 53 مليون شيكل شهرياً منذ شباط/ فبراير 2019، بذريعة ما تسميه مخصصات أسر الأسرى والشهداء، فضلاً عن حجز مخصصات قطاع غزة من الموازنة العامة، والبالغة 275 مليون شيكل شهرياً منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وأشار إلى أن إجمالي إيرادات المقاصة المحتجزة بلغ 6.5 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 20 مليار شيكل.
وبيّن أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية لم تفرز حتى الآن رؤية واضحة بشأن تشكيل الحكومة المقبلة، في ظل عدة سيناريوهات محتملة، مشيراً إلى أن التنافس بين اليمين المتطرف ويمين الوسط، ونزعة التطرف في المجتمع الإسرائيلي، يجعلان طبيعة الحكومة المقبلة عاملاً مؤثراً في مستقبل العلاقة الاقتصادية والمالية مع الفلسطينيين.
ولفت إلى أن حكومة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير اعتمدت سياسة خنق اقتصادي، شملت احتجاز إيرادات المقاصة، ومنع غالبية العمال الفلسطينيين من العمل داخل الخط الأخضر، وفرض قيود على حركة التجارة وسلاسل التوريد، إلى جانب الهجمات المنظمة في المناطق المصنفة (ج)، واستهداف الإنتاج الزراعي، وخلق بيئة طاردة للاستثمار، وتقطيع أوصال الضفة الغربية، وتدمير المنشآت الاقتصادية في محافظات شمال الضفة الغربية ومدينة الخليل.
وأضاف أن هذه السياسات امتدت إلى القطاع المصرفي، من خلال التمديد المؤقت للعلاقات البنكية، والتسبب بأزمة تكدس الشيكل.
ثلاثة سيناريوهات للحكومة الإسرائيلية
وقال عفانة إن السيناريو الأول يتمثل في نجاح نتنياهو في إعادة تشكيل الحكومة بالتحالف مع الأحزاب اليمينية المتطرفة، أو عدم التوافق على تشكيل حكومة جديدة، وبقاء الحكومة الحالية لتصريف الأعمال وصولاً إلى جولة انتخابات جديدة، وفي الحالتين يُرجح استمرار الضغوط الهيكلية على الاقتصاد الفلسطيني، والانكماش الاقتصادي، واتساع فجوة المالية العامة.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في نجاح غادي آيزنكوت وكتل التغيير في تشكيل حكومة جديدة، بدعم مباشر من القوائم العربية، وهو ما قد يتيح انفراجة مالية جزئية، من خلال الإفراج عن جزء من أموال المقاصة، خصوصاً تلك المحتجزة بقرار فردي من وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، إلى جانب تخفيف بعض القيود الاقتصادية.
وأشار إلى إمكانية تحقق انفراجة مماثلة في حال تشكيل حكومة وحدة واسعة من دون سموتريتش وبن غفير.
الإفراج الجزئي لا يعني التعافي الاقتصادي
وشدد عفانة على أن أياً من السيناريوهات المحتملة لا يرجح أن يؤدي إلى انفراجة كاملة في الأزمة المالية والاقتصادية الفلسطينية، من دون مسار سياسي واضح يحظى بدعم إقليمي ودولي، خاصة أن الحكومة الإسرائيلية عملت على إضفاء طابع قانوني على الاقتطاعات من أموال المقاصة.
وأوضح أن الإفراج الجزئي عن الإيرادات، إذا حدث، لن يكون كافياً لردم الفجوة المالية فوراً أو تحقيق التعافي الاقتصادي، في ظل لجوء الحكومة الفلسطينية إلى تمويل النفقات العامة عبر الديون والمتأخرات، بعد احتجاز كامل إيرادات المقاصة وفقدان المالية العامة 68% من إيراداتها.
وأضاف أن تحويل جزء من الأموال المحتجزة قد يخفف حدة الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، وينعكس إيجاباً على الموظفين الحكوميين والموردين والخدمات العامة، لكنه لا يمثل تعافياً اقتصادياً حقيقياً.
وأكد أن التعافي يتطلب تحويل كامل إيرادات المقاصة، وضمان توريدها شهرياً دون خصومات، وتعزيز الاقتصاد المحلي من خلال خطة تعافٍ مدعومة دولياً، تعوض التراجع الحاد في الناتج المحلي الإجمالي، وتحد من البطالة المرتفعة، وتعيد القدرة على الإنتاج والاستثمار والتجارة والتحكم بالموارد الاقتصادية، إلى جانب ضمان استقرار العلاقات المصرفية واستدامتها.
دعوة لإعداد خطط فلسطينية لمواجهة السيناريوهات
ودعا عفانة إلى عدم الاكتفاء بانتظار نتائج تشكيل الحكومة الإسرائيلية، بل إعداد خطط عمل فلسطينية بمنهج تشاركي بين الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، للتعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة.
وطالب بإعداد استراتيجية تستند إلى أدوات قانونية ودبلوماسية وعملية لاستعادة إيرادات المقاصة وضمان تحويلها، بدعم من الدول الشقيقة والصديقة، والعمل على حشد الدعم الدولي للتعافي الاقتصادي.
وحذر من مخاطر استمرار السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى خلق بيئة طاردة للحياة في قطاع غزة والضفة الغربية، وما قد يترتب عليها من تهجير ناعم، مشدداً على ضرورة الحفاظ على الكيانية الفلسطينية وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني في ظل سنوات من الخنق الاقتصادي والضغوط المعيشية.
المصدر: الاقتصادي
ي.ك

