أبناء المهاجرين.. هل يرثون الحنين إلى بلد لم يعيشوا فيه؟

أبناء المهاجرين.. هل يرثون الحنين إلى بلد لم يعيشوا فيه؟
20 أكتوبر 2026
(شباب اف ام) -

حين ينشأ الطفل في بيت تحضر فيه لغة أسرته ولهجتها وأطباقها وأعيادها، ثم يذهب إلى مدرسة تختلف لغتها وبعض ممارساتها وقيمها عما اعتاده في المنزل، يبدأ في تكوين تصوره عن هويته وانتمائه.

وهذه تجربة يواجهها كثير من أبناء المهاجرين، الذين يرثون ثقافة أسرهم، ويكتسبون في الوقت نفسه عادات وقيما من المجتمع الذي ينشؤون فيه. وقد تظهر الفروق في تفاصيل الحياة اليومية؛ فالأسرة قد تعطي الأولوية للترابط العائلي، بينما تشجع المدرسة على الاستقلال والاعتماد على النفس.

ولا يعني الانتماء إلى ثقافتين بالضرورة أن يعيش الطفل صراعا بينهما؛ فقد يجد في كل منهما جانبا من هويته. لكن بناء هذا التوازن يتأثر بمدى تقبل الأسرة لتجربته، وبالفرص المتاحة أمامه للتعرف إلى جذوره وتكوين علاقاته في المجتمع الذي ينشأ فيه.

وفي هذه المعادلة، دخل الهاتف طرفا جديدا؛ فلم يعد الطفل مضطرا إلى انتظار إجازة الصيف حتى يتواصل مع أقاربه أو يسمع لغته الأم. فبضغطة زر، يستطيع إجراء مكالمات فيديو مع عائلته، ومتابعة صناع محتوى من بلد والديه، واللعب عبر الإنترنت مع أبناء عمومته. لكن هل يكفي هذا القرب الرقمي لبناء شعور حقيقي بالانتماء؟

احترام أسئلة الطفل ومنحه مساحة لاستكشاف جذوره يساعدانه على بناء هويته دون ضغط
احترام أسئلة الطفل ومنحه مساحة لاستكشاف جذوره يساعدانه على بناء هويته دون ضغط (بيكسلز)

هويتان لا تعنيان بالضرورة صراعا

لا تعني نشأة الطفل بين ثقافتين أنه مضطر إلى الاختيار بينهما؛ فقد يتمكن من الجمع بين ثقافة أسرته والمجتمع الذي يعيش فيه، بحيث يشعر بالانتماء إلى كليهما. ويصف علماء النفس هذا المفهوم بـ”تكامل الهوية الثنائية”، أي قدرة الفرد على التوفيق بين هويتيه الثقافيتين والشعور بأنهما متكاملتان، لا متعارضتان.

وتدعم الأبحاث أهمية هذا التوازن. ففي دراسة طولية نُشرت عام 2015 في دورية “إنترناشيونال جورنال أوف فسيولوجي”، تابع باحثون 302 مراهق من أصول لاتينية هاجروا حديثا إلى الولايات المتحدة، من الصف التاسع حتى الثاني عشر. وأظهرت النتائج أن المراهقين الذين شعروا بانسجام أقل بين هويتيهم الثقافيتين سجلوا لاحقا مستويات أقل من تقدير الذات والتفاؤل والسلوك الاجتماعي الإيجابي، إلى جانب علاقات أسرية أضعف، مقارنة بأقرانهم الذين شعروا بانسجام أكبر بين الهويتين.

ولا تعني هذه النتائج أن الجمع بين الثقافتين يضمن التكيف النفسي، لكنها تبرز أهمية إتاحة المجال للطفل كي يعتز بجذوره ويندمج في مجتمعه، دون أن يشعر بأن عليه الاختيار بينهما.

الهاتف يحفظ الروابط.. لكنه لا يصنعها وحده

لم تعد المسافة تعني أن يكبر الطفل بعيدا عن أقاربه دون معرفة تفاصيل حياتهم؛ فمكالمات الفيديو تتيح له رؤية جديْه، ومشاركتهما يومياته، والاستماع إلى حكايات الأسرة وعاداتها. وهكذا، لا تقتصر وظيفة الهاتف على إبقاء التواصل قائما، بل قد يصبح وسيلة لنقل اللغة والقيم والذكريات بين الأجيال.

وتناولت دراسة نُشرت عام 2022 في دورية “غلوبال نتوركس” (Global Networks) هذا الدور، استنادا إلى 30 مقابلة مع أمهات تركيات مهاجرات يعشن في 10 دول. ووجدت أن مكالمات الفيديو تساعد الأطفال على بناء روابط مع أجدادهم، وتتيح لهم التعرف إلى ثقافة الأسرة رغم البعد الجغرافي.

لكن التواصل الرقمي لا يعادل بالضرورة خوض التجربة الثقافية على أرض الواقع؛ فمشاهدة مقاطع عن بلد الأسرة لا تمنح الطفل ذكريات العيش فيه، كما أن سماع اللغة عبر الشاشة لا يضمن استخدامها في حياته اليومية.

لذلك، يمكن أن تكون التكنولوجيا جسرا يصل الطفل بجذوره، لكنها لا تغني عن العلاقات المباشرة والتجارب التي تمنح هذا الانتماء معناه.

الاستماع إلى تجربة الطفل بين البيت والمدرسة يساعد الأسرة على فهم أسئلته عن الاختلاف والانتماء
الاستماع إلى تجربة الطفل بين البيت والمدرسة يساعد الأسرة على فهم أسئلته عن الاختلاف والانتماء (بيكسلز)

الزيارات والعلاقات.. عندما يصبح الوطن تجربة لا شاشة

هناك فرق بين أن يتعرف الطفل إلى وطن أسرته من خلال حكايات والديه عن طفولتهما فيه، وأن يصنع ذكرياته الخاصة خلال الزيارات.

ففي الحالة الأولى، يتشكل تصوره عن البلد من روايات الآخرين، أما في الثانية، فيرتبط بأشخاص وأماكن ومواقف عاشها بنفسه؛ كوجبة أعدتها جدته، أو لعبة شارك فيها أبناء عمومته، أو شوارع اعتاد التجول فيها. تمنح هذه التفاصيل الثقافة معنى ملموسا يتجاوز القصص والصور إلى تجارب شخصية تبقى في الذاكرة.

ولا يقتصر تعزيز الانتماء إلى ثقافة الأسرة على السفر إلى البلد الأصلي؛ فقد تحول المسافات والظروف المالية دون الزيارة.

لكن يمكن للطفل أن يحافظ على صلته بجذوره أيضا من خلال الارتباط بأسر تشاركه خلفية ثقافية مشابهة في بلد الإقامة. فمشاركة أقرانه اللغة والعادات والاحتفالات نفسها تتيح له ممارسة ثقافته خارج المنزل، والشعور بأنها جزء من محيطه الاجتماعي، لا مجرد إرث عائلي.

لا تجعل الوطن قصة مثالية

قد يحاول بعض الآباء تعزيز ارتباط أبنائهم بجذورهم عبر تصوير البلد الأصلي باعتباره المكان الأجمل والأكثر دفئا، أو مقارنة ما يفتقدونه في بلد الإقامة بما يميز وطنهم.

لكن المبالغة في هذه الصورة قد تصطدم بواقع مختلف يكتشفه الطفل عند الزيارة. كذلك، فإن التركيز على سلبيات المجتمع الذي يعيش فيه قد يؤثر في نظرته إلى أصدقائه وتجربته في المدرسة.

وفي مقال نشرته دورية “فسيوانالسيز كالتشير اند سوسايتي” (Psychoanalysis, Culture & Society) عام 2009، ناقشت براتيوشا تومالا-نارا، الباحثة في علم النفس وأستاذة علم النفس بكلية بوسطن، العلاقة بين الوطن الذي يتذكره المهاجر أو يتخيله، والوطن الذي يختبره عند العودة إليه.

وتساعد هذه الفكرة على فهم أن صورة البلد قد لا تطابق الحياة فيه كما هي بالفعل؛ لذا من الأفضل أن يتيح الآباء لأبنائهم التعرف إلى بلد أصولهم بمميزاته وتحدياته، بدلا من تقديمه باعتباره مكانا مثاليا.

وينطبق الأمر نفسه على بلد الإقامة. فمن الأفضل أن يتحدث الوالدان عن البلدين بواقعية، فيوضحا ما يميز كل مجتمع وما يواجهه من تحديات، من دون أحكام مطلقة.

وإذا كانت الأسرة قلقة بسبب أحداث في بلدها الأصلي، فمن المهم شرح ما يجري بما يناسب عمر الطفل، وإتاحة المجال للمراهقين لطرح أسئلتهم والتعبير عن مخاوفهم، بدلا من تركهم أمام معلومات مبهمة.

الحديث بواقعية عن بلد الأصل وبلد الإقامة يساعد الطفل على فهم الاختلافات
الحديث بواقعية عن بلد الأصل وبلد الإقامة يساعد الطفل على فهم الاختلافات (بيكسلز)

كيف تساعد طفلك على بناء هويته؟

يمكن للأسرة أن تساعد الطفل على الارتباط بجذوره من خلال التحدث معه بلغة المنزل، ومشاركته قصص العائلة وعاداتها واحتفالاتها، وإتاحة الفرصة له للتواصل مع أقارب وأسر تشاركه خلفية ثقافية مشابهة.

وفي الوقت نفسه، من المهم احترام علاقاته بالمجتمع الذي ينشأ فيه، ومساعدته على فهم الاختلافات الثقافية دون تصوير إحدى الثقافتين باعتبارها أفضل من الأخرى.

ولا يعني تراجع الطفل عن استخدام لغة الأسرة أو فتوره تجاه بعض عاداتها بالضرورة أنه يعاني أزمة هوية؛ فقد يكون ذلك جزءا من نموه ورغبته في الاستقلال أو الاندماج مع أقرانه.

لذلك، من الأفضل ألا تضغط الأسرة عليه لاتباع كل التقاليد، بل أن تمنحه الوقت والمساحة لاستكشاف جذوره وتحديد ما تعنيه له، مع تأكيد أن بإمكانه الاعتزاز بثقافته الأصلية والانتماء إلى المجتمع الذي يعيش فيه في الوقت نفسه.

فالهوية لا تتشكل بقرار واحد، بل تنمو عبر اللغة والعلاقات والتجارب اليومية. وكلما وجد الطفل مساحة آمنة للتعرف إلى جذوره والتعبير عن تجربته الخاصة، أصبح أقدر على بناء شعور بالانتماء لا يفرض عليه الاختيار بين ثقافتين.

المصدر: الجزيرة
س.ب