في إحدى أكثر التصريحات صراحةً وأصدقها، جاء ما قاله الحاخام مناحيم بن شاحر عشية بدء الاحتفالات بعيد الغفران، حين أكد في مقطع تم تداوله على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي أن “التوبة” تأتي من خلال محو القرى والمخيمات الفلسطينية، مضيفًا، فيما يبدو أنه رسالة “الغفران”، ألا يبقى منها أثر! غير أن المعتقدات المرتبطة بهذا العيد تقول إنه “عيد التكفير والمغفرة والصلوات”، وفيه دعوة إلى المسامحة ومحو الخطايا ومراجعة النفس، فضلًا عن الصوم والطقوس والمحظورات، بوصفه أحد أقدس الأعياد اليهودية، لا دعوة إلى محو البشر والشجر والاعتداء عليهم. ويُصنَّف هذا الحاخام بأنه أحد أبرز نشطاء الاستيطان، ويسكن في بؤرة جفعات رونين المقامة على أراضي قرية بورين، إلى الجنوب من نابلس، التي طالما تعرّضت للاعتداءات والهجمات شبه اليومية من قبل عصابات المستوطنين.
فهل للعقل البشري أن يتخيل، في مناسبة بهذه القدسية، أن تُطلق الدعوات إلى القتل والإبادة ومسح القرى والمخيمات؟ فعلى مدار السنوات القليلة الماضية، تدور رحى إبادة متواصلة بأشكال مختلفة، ترتفع وتيرتها تارةً وتقل تارةً أخرى، لكنها مستمرة لا تتوقف، ولها هدف واحد معلن وصريح يتداوله كل المسؤولين في حكومة الحرب، هو طرد الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه! فهل للعقل البشري أن يستوعب حجم الكراهية ومداها، والدعوات الصريحة إلى القتل من أعلى المرجعيات السياسية والدينية، ثم يمرّ عليها كأنها تصريحات عادية؟ إنها في الحقيقة لا ترتبط بحدث بعينه؛ ولو عدنا إلى الوراء، نرى في تصريحات الحاخام الأكبر، ووصفه العرب بالحشرات، أنها بمثابة حجر الزاوية لزرع الفكر العنصري لدى تلامذة المدارس الدينية، وبعض التصريحات الأخرى تدعو إلى إنهاء وجود الشعب الفلسطيني بأمر “الله”، أي أن هناك تطابقًا تامًّا بين استغلال المرجع الديني والسياسي، وهي التي تقود إسرائيل رسميًّا ضمن معسكر يجمع الأحزاب الأكثر تطرفًا، المسكونة بأيديولوجيا الاستعلاء لـ”شعب الله المختار”. وهناك تصريحات أخرى تناقلتها وسائل الإعلام قبل أيام لسموتريتش، مفادها أن “الله يحبهم وأعطى هذه الأرض وهبها لهم وليس لأحد غيرهم”. ومن يراقب منحى التصريحات يرى بوضوح التناغم من جذر المنبع ذاته الذي يقود هذه الدعوات الصريحة التي لا مثيل لها للإبادة والقتل والإعدام.
في الأعياد والمناسبات الدينية للأديان كافة، يتم الدعوة إلى الترفع عن مشاعر الإيذاء والعدوان وإلى المسامحة، لكن ما يجري هو تغليف الواقع بغلاف ديني ضمن حرب دينية يشعلونها بشكل متعمد ومقصود، دون الغوص في تحليل جوانبها. وبالعودة إلى تصريح بن شاحر، يتّضح بشكل جليّ أن سمة التحريض والنوايا المبيتة للقتل تطغى على أي لغة أو دعوات أخرى، وكأن ما يجري في بلادنا هو “دفاع عن النفس”، في حين تؤكد شواهد الحياة أن ازدراء الأديان ركن هام ومعتقد أساس بالنسبة لهم، ولا يقتصر على دين بعينه؛ فاستهداف الراهبة في القدس قبل فترة وجيزة، وتبرئة من أقدم على الفعل بحقها، والبصق على مدخل الكنيسة في القدس أيضًا، وإلقاء الحجارة على إحدى الكنائس في الجليل من قبل أحد المستوطنين، إلى جانب اقتحام المسجد الأقصى ومنع الأذان وتقديم القرابين والمسيرات الاستفزازية في باحات المسجد والبلدة القديمة للقدس، واستمرار محاولات تغيير معالمها الدينية والتاريخية والحضارية، كلها من ذات المشرب القائم على نفي وجود “الآخر” والتعالي بنظرة دونية للآخرين! حتى تصريحات نتنياهو، الذي ظهر فيها أسفل الحفريات في أحد الأنفاق تحت المسجد الأقصى، تثير الاشمئزاز بل تبعث على الغثيان، وفيها من الصلف ما يكفي لتحريك مشاعر كل الجهات والمؤسسات الدولية والعربية والإسلامية وأحرار العالم، حيث انبرى لتحدي كل هذه الجهات والمؤسسات والقرارات الدولية بالقول “إنه سيبقى للأبد”. وهي ليست من باب التصريحات الانتخابية فقط، بل امتداد لذات العقلية والتغذية المتطرفة، لكنها في ذات الوقت مدعاة للشفقة والحزن؛ لأن الطغاة على مر الحقب التاريخية، في كل الأزمان والأديان دون استثناء، هم هكذا يعتقدون أن لا نهاية لهم، لكن النهاية تكون دائمًا وبالًا عليهم، جزاء ما عملوا من قتل ودمار وحرق للشعوب المستعمَرة، وجزاء ما استكبروا وطغوا.
في أمنيات عيد الغفران والسنة الجديدة، التي تمتد من نهاية أيلول إلى أوساط تشرين الأول، المفروض أن تُخصَّص للمراجعة والبشرى والسلام والخير وكل القيم النبيلة، لكنها عندنا تتجه إلى المزيد من التحريض الأعمى والدعوات إلى القتل، ليس فقط الدعوات بل التنفيذ المباشر، وإطلاق لجام الغضب الوحشي لهؤلاء المتطرفين من غلاة العنصرية على القرى والبلدات، وإخلاء المخيمات، وارتكاب المزيد من المعاصي من سرقة المواشي واقتلاع الأشجار المثمرة والمعمّرة وتكسيرها، والدعوة إلى نهب الزيتون وإغلاق الطرق، إلى إطلاق العنان لكل أشكال التعدي على حياة الناس وسلبهم كرامتهم. فماذا يسمى إغلاق الطرق إلا كونه فرضًا للعقوبات الجماعية على شعب كامل! وهو بالمناسبة جزء من خطة الحسم والضم وتكريس الأمر الواقع. كل السياسات ثبت بالملموس أنها غير مجدية، وأنها لا تفلح في كسر إرادة شعب يتوق إلى الحياة والحرية؛ فما يجري لن يقود إلى أي استقرار، ولن يأتي وهم السلام المزعوم بالإخضاع، ولن يسود الهدوء على الإطلاق، ولن ينعم أحد بالحرية ما دامت حرية الشعب الفلسطيني مسلوبة. فالجاري عندنا فعل شنيع يتنافى مع كل المواثيق الدولية، ولا تحمله الأديان ولا يمت لها بصلة؛ فالتهجير والإعدام اليومي والترويع والمجازر بحق المدنيين العزل لا يبني سلامًا إلا في أوهام الاحتلال.
أي عقلية هذه التي تحكم من يفكر بهذه الطريقة؟ ولماذا يستمر العالم في صمّ أذنيه عن الصهيونية الداعشية أمام الدعوات المشرَّعة للإرهاب والقتل علنًا؟ أما آن للعالم أن يتحرك قبل فوات الأوان؟ ما نطالب به ليس معجزة مستحيلة التحقيق، فقط حماية دولية مؤقتة إلى أن ينال الشعب الفلسطيني حقوقه، ومساءلة الاحتلال عما يجري. على العالم أن يتخذ خطوات جدية واضحة للحماية والمحاسبة دون تأخير.
ي.ك

