بين الجوع والمرض والعزل.. يوميات الأسيرات في سجن الدامون

بين الجوع والمرض والعزل.. يوميات الأسيرات في سجن الدامون
هلا الزهيري
16 سبتمبر 2026

هلا الزهيري – حين تحررت الأسيرة آية فقهاء من سجن الدامون آواخر آب المنصرم، بعد ستة أشهر من الاعتقال، كانت قد فقدت 20 كيلوغرامًا من وزنها. آية، مهندسة من بلدة كفر اللبد في طولكرم وتعمل في إدارة المشاريع، خرجت من السجن حاملةً شهادة من نوع آخر عن واقع الأسيرات وظروف احتجازهن، من نقص الطعام والرعاية الصحية، إلى الاقتحامات المتكررة والعزل والتنكيل.

آية واحدة من نحو 90 أسيرة تقبع حاليًا في سجن الدامون، وفق أماني سراحنة، مديرة الإعلام والتوثيق في نادي الأسير، التي توضح أن العدد يتغير باستمرار بفعل عمليات الاعتقال والإفراجات. فيما بلغ العدد نحو 100 أسيرة في بداية الحرب، فيما سُجلت حالات اعتقال لعشرات النساء لاستخدامهن، كرهائن للضغط على أقاربهن لتسليم أنفسهم. وتؤكد أن ظروف احتجاز الأسيرات شهدت تحولًا جذريًا بعد الحرب، طال الطعام والشراب وطبيعة التعامل وأساليب التعذيب.

وبحسب تقرير لمؤسسة الدراسات الفلسطينية، تعاني زنازين الدامون من اكتظاظ شديد، إذ تضم الغرفة الواحدة ثماني أسيرات مقابل أربعة أسرّة، ما يدفع أربعا منهن إلى النوم على الأرض. أمّا التهوية فمعدومة، إذ أُغلقت الشبابيك، ووُضع عليها ما يُسمى “الأشناب”، وهو بلاستيك مغلَق طوال الوقت، وقد أحدثوا فيه 12 ثقباً صغيراً بحجم المسمار كي يدخل منه الهواء. وحسب التقرير سحبت إدارة السجن من الأسيرات كل أدوات التنظيف وكلَ يومين أو ثلاثة، تُعطى الأسيرات علبة كرتون صغيرة ليضعن فيها النفايات التي تراكمت في الغرفة.

ويقع سجن الدامون في أحراش الكرمل شمال فلسطين، في مبنى يعود إلى فترة الانتداب البريطاني، أعادت “إسرائيل” استخدامه سجنًا خلال انتفاضة الأقصى بعد أن كان قد اعتُبر غير صالح للاستخدام.

منذ لحظة الاعتقال.. ضرب وتفتيش وانتهاك للخصوصية

تقول سراحنة إن الانتهاكات تبدأ، بحسب شهادات الأسيرات، منذ لحظة الاعتقال، وتشمل الضرب والتحرش والاعتداءات الجنسية، إلى جانب سياسة التجويع والحرمان من العلاج ومصادرة الملابس والمقتنيات الشخصية والأوراق والأقلام.

وتشير سراحنة إلى أن الأسيرات يُحرمن كذلك من احتياجات أساسية خاصة بالنساء، مثل الفوط الصحية، أو يحصلن عليها بطرق مهينة. كما تتحدث عن إخضاع الأسيرات للتفتيش العاري عند دخول سجن الدامون.

وتضيف أن عمليات القمع داخل السجن تتضمن إجبار الأسيرات على النوم على الأرض، وأيديهن خلف ظهورهن ورؤوسهن منحنية إلى الأمام، مع تعرضهن للضرب عند أي حركة.

أما المحامي حسن عبادي من حيفا، والذي ينفذ زيارات تطوعية للأسرى، فيقول إنه ينفذ منذ عام 2021 زيارات منتظمة للأسيرات في سجن الدامون ضمن مشروع للتواصل معهن، وإنه زار جميع الأسيرات اللواتي كن موجودات قبل وبعد السابع من أكتوبر 2023، باستثناء أسيرتين جديدتين. ويصف الأوضاع الحياتية داخل السجن بأنها “سيئة جدًا ومأساوية”، مشيرًا إلى تكرار الاقتحامات التي تُلقى خلالها الأسيرات على الأرض ويُداس عليهن، مع استخدام الكلاب البوليسية وقنابل الغاز.

طعام رديء وغير كاف للبقاء على قيد الحياة فقط

بحسب شهادة آية، فإن وجبات الطعام التي تقدم للأسيرات سيئة وغير كافية وهي فقط لإبقائهن على قيد الحياة، حيث لا تتجاوز حصة الأسيرة يوميًا سبع شرائح من الخبز، وخمس ملاعق صغيرة من الأرز إذا توفر وأحياناً تصادر كميات الطعام في حال نفذت قوات القمع التابعة لمصلحة السجون اقتحاما للسجن، وهو ما أدى إلى انخفاض أوزان الأسيرات بصورة حادة، تراوحت، وفق الشهادة، بين 9 و20 كيلوغرامًا، فيما فقدت آية نفسها 20 كيلوغراما خلال فترة اعتقالها.

أما عبادي فيؤكد أن اللحوم والدواجن تغيب عن وجبات الأسيرات، وينقل أن السجانين كانوا يسخرون منهن عند تقديم اللحوم بالقول: “أخيرا شفتوا لحمة”. كما يشير إلى أن الطعام جاف جدًا، الأمر الذي تسبب، بحسب ما رصده خلال زياراته، في انتشار أوجاع وآلام الأسنان بين الأسيرات.

فيما تصادر مصلحة السجون الملاعق والشوك البلاستيكية عند اكتشاف استخدامها لتقسيم السلطة أو تسريح الشعر.

الأمراض الجلدية.. حكة وطفح في ظل الرطوبة والاكتظاظ

من بين المشكلات الصحية التي تبرز في شهادات الأسيرات، الأعراض الجلدية والحكة والطفح، في ظل الرطوبة الشديدة والاكتظاظ ونقص مستلزمات النظافة.

وتقول آية إن الحالات بدأت بظهور حبوب تشبه الحساسية، ثم ازدادت مع دخول فصل الصيف بسبب الرطوبة العالية واكتظاظ الغرف، إلى جانب قصر مدة “الفورة”، التي تتراوح بين نصف ساعة وساعة في أفضل الأحوال، وقد تُمنع في حالات الطوارئ.

وتوضح أن الاستحمام لا يكون متاحًا إلا خلال هذه الفترة، وبمعدل يتراوح بين 7 و10 دقائق للغرفة. كما تملك كل أسيرة غيارًا واحدًا ترتديه وآخر للغسيل، مع منع غسل الملابس يومي الجمعة والسبت.

وبحسب آية، كانت إدارة السجن والممرضون يرجعون الحكة إلى الحساسية الناتجة عن الرطوبة، إلى أن أُفرج عن أسيرة في بداية آب/أغسطس وفُحصت خارج السجن، وأظهر الفحص إصابتها بالجرب. وتقول آية إنه بعد ذلك حُجرت إحدى الغرف، وصُرفت للأسيرات علاجات جزئية من مراهم وحبوب، دون اتباع بروتوكول علاجي كامل.

من جهتها، تقول أماني سراحنة إن نادي الأسير وثّق ظهور حبوب وبقع على أجساد الأسيرات، وإن إدارة السجن قالت إن الأمر يتعلق بالحساسية وحالة جرب واحدة، بينما أظهرت فحوصات أُجريت لبعض الأسيرات المحررات إصابتهن بالجرب. ويقول النادي إن انتشار المرض يعود إلى أيار/مايو 2024.

فيما أكد عبادي انتشار أعراض الجفاف والحكة الشديدة نتيجة الرطوبة، وانعدام أدوات التنظيف، وتأخر غسل الملابس، إلى جانب انتشار البق والقمل على أجساد ووجوه الأسيرات.

ثلاث حوامل ومريضات بالسرطان.. وغياب الرعاية المتخصصة

يقول حسن عبادي إن من بين الأسيرات في الدامون ثلاث نساء حوامل، إلى جانب أسيرات مصابات بالسرطان، إضافة إلى أسيرتين قاصرتين وأُخريين أتمتا عامهما الثامن عشر قبل نحو شهرين.

ويشير عبادي إلى عدم وجود عيادة طبية متخصصة، قائلًا إن السجان يتولى في أحيان كثيرة دور المعالج، فيما تفتقر غرفة العلاج إلى الخصوصية بسبب وجود كاميرات مراقبة فيها على مدار الساعة.

وتشير أماني سراحنة كذلك إلى حرمان الأسيرات من العلاج، فيما وثقت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان حالات لأسيرات يعانين من أمراض مزمنة أو جلدية ويواجهن صعوبات في الحصول على الرعاية اللازمة. ومن بين الحالات التي أوردتها الهيئة الأسيرة عبير عودة، المعتقلة إداريًا، والأسيرة ياسمين شعبان، ونادين الدغامين وشهد عادي، إضافة إلى الأسيرة والطبيبة ديما محمد أمين التي تعرضت، وفق المعلومات التي أوردتها الهيئة، لأعراض جلطة قلبية عقب اعتقالها في 18 آب/أغسطس 2026 وخضعت لعملية قسطرة.

أمهات لا يعرفن ماذا ارتدى أطفالهن مع بداية المدرسة

يقول عبادي إن الأسيرات الأمهات يعشن انقطاعا شبه تام عن عائلاتهن، وينقل عن إحدى الأسيرات أنها كانت تترجى معرفة ماذا ارتدى أطفالها في أول يوم دراسي.

وفي السياق ذاته، أكدت سراحنة أن الأسيرة إسلام عمارنة تحاول، من خلال الرسائل، معرفة أدق التفاصيل عن ابنتها حور، التي أصبحت في الصف الأول، وتسأل إن كانت قد ارتدت مريول المدرسة، وإن كانت قد اشترت الكتب، وكيف كان وقع يومها الدراسي الأول، وغيرها من التفاصيل التي تبدو عادية في حياة الأمهات، لكنها تتحول بالنسبة للأسيرات إلى أخبار تنتظرنها بشغف.

ولا يقتصر الانقطاع على تفاصيل الحياة اليومية، إذ يشير عبادي إلى صعوبة نقل أخبار العائلة ومنها حالات الوفاة من الخارج إلى الأسيرات، وما يتركه هذا الانقطاع عن العائلة من آثار نفسية عليهن.

ويمتد الحرمان من الحياة الأسرية إلى الجانب التعليمي أيضا؛ إذ يضيف عبادي أن الأسيرات الطالبات يواجهن بدورهن انقطاعا عن بيئتهن التعليمية، موضحا أن هناك، بحسب ما وثقه، أربع أسيرات من جامعة بيرزيت، إلى جانب طالبات في الثانوية العامة.

القمع لا يتوقف عند جدران الزنازين

تتحدث آية عن قمعات قالت إنها وقعت في 17 نيسان/أبريل و13 أيار/مايو و13 تموز/يوليو، وتصف خلال إحداها إجبار الأسيرات على الجلوس على ركبهن لأكثر من ساعة ونصف، قبل إجبارهن على الانبطاح أرضًا، مع تقييد أيديهن إلى الخلف ورفع القيود إلى الأعلى، وتغطية أعينهن وإجبارهن على المشي بوضعية الركوع، إلى جانب الضرب والشتائم.

وتقول آية إن الغاز أُطلق داخل الغرف خلال إحدى عمليات التفتيش، وصودرت المقتنيات والأغذية المخزنة والأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة. وفي 13 تموز/يوليو، أُخرجت الأسيرات إلى الساحة عند الساعة الحادية عشرة صباحًا تحت أشعة الشمس، بينما سخر السجانون منهن، واستخدمت الكلاب البوليسية في الساحة لإرهابهن.

وتروي آية أن عمليات القمع التي تعرضت لها الأسيرات شملت تقييد أيديهن إلى الخلف وتعصيب أعينهن وإجبارهن على الانبطاح أرضًا، إلى جانب الصراخ والشتائم، وأنهن يعشن في حالة خوف دائم من الاقتحامات المفاجئة والعزل المتكرر. كما تشير الإفادات التي نقلها نادي الأسير إلى أن الأسيرات بقين بعد إحدى عمليات القمع ثلاثة أيام من دون مقتنياتهن الشخصية، ومن دون السماح لهن بالاستحمام أو الخروج إلى “الفورة”.

ويؤكد عبادي بدوره أن الاقتحامات والقمعات تتكرر دون سبب واضح، وأن الأسيرات يتعرضن خلالها للضرب والجر من الشعر والإلقاء على الأرض، إلى جانب استخدام الكلاب البوليسية والغاز. كما يقول إن ثلاثا إلى أربع أسيرات يخضعن للعزل الدوري أو الدائم.

بن غفير.. السجن كمشهد للاستعراض السياسي

في آواخر آب/أغسطس 2026، اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير سجن الدامون، ونشر مقطعًا مصورًا ظهر فيه وهو يوجه تهديدات للأسيرات، وأعقب ذلك حدوث تصعيد خطير وازدياد ممنهج في عمليات القمع والتنكيل بحق الأسيرات فيما أكد نادي الأسير ويرى النادي أن الزيارة تتجاوز كونها واقعة اقتحام، لتكشف عن تحويل السجن والأسيرات إلى مادة للاستعراض السياسي والدعاية وضوء أخضر لارتكاب المزيد من الجرائم بحق الأسيرات.

بشرى الطويل.. العزل داخل العزل

بعد نحو ستة أشهر من اعتقالها وتحويلها إلى الاعتقال الإداري، نُقلت الصحفية والأسيرة بشرى الطويل، البالغة 33 عامًا من مدينة البيرة، من سجن الدامون إلى العزل في سجن الرملة، بحسب نادي الأسير.

وتقول شهادة آية إن الطويل تعرضت للعزل أكثر من مرة خلال فترة اعتقالها الحالية، وإن ظروف العزل، ولا سيما الرطوبة الشديدة.

بدوره حمل نادي الأسير سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن مصير بشرى الطويل وكافة الأسيرات، مطالبًا المؤسسات الدولية والحقوقية بالتدخل العاجل لوقف ما وصفه بالانتهاكات وضمان سلامة الأسيرات.

وتزامن نقل الطويل إلى العزل مع ما نشره وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير من مقطع مصور خلال اقتحامه قسم الأسيرات في سجن “الدامون”.

واعتبر نادي الأسير أن اقتحام قسم الأسيرات وتصويرهن يمثلان، بحسب وصفه، انتهاكًا لخصوصيتهن وكرامتهن الإنسانية، مشيرًا إلى أن استهداف الأسيرات لا يقتصر على ظروف الاحتجاز، وإنما يشمل كذلك اقتحام أقسامهن والتصوير وإجراءات التفتيش التي وصفها بالمذلة.

الصليب الأحمر.. غياب الزيارات منذ أكتوبر 2023

وفي الوقت الذي تتزايد فيه الشهادات حول أوضاع الأسيرات، تقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنها تستعد لاستئناف زياراتها للأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، بعد أن لم تتمكن من الوصول إليهم منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وأعلنت اللجنة أنها أجرت اجتماعًا فنيًا وجولة تقييم في أحد مرافق الاحتجاز العسكرية في “إسرائيل” استعدادًا لاستئناف الزيارات، لكنها أكدت أن فريقها لم يلتقِ أي أسير خلال الزيارة ولم يُسمح له بإجراء تواصل مباشر معهم.

خرجت آية فقهاء من سجن الدامون لكنها تركت خلفها نحو 90 أسيرة، لكل واحدة منهن حكاية من الألم والانتظار. بين أسيرة تحاول أن تعرف ماذا ارتدى طفلها في أول يوم مدرسة، وأخرى تواجه المرض، وثالثة تقبع في العزل، قصص تتقاطع عند أذى جسدي ونفسي يتواصل خلف جدران السجن.

ويحدث كل ذلك في عزلة شبه كاملة، مع غياب زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، ومحدودية قدرة المؤسسات الحقوقية والجهات المعنية على الوصول إليهن، لتبقى الأسيرات معزولات عن العالم الخارجي، فيما لا تصل أصواتهن إلا عبر شهادات متفرقة تكشف بعضا مما يجري في الداخل.