هلا الزهيري – ربما لأنها تختزل في تفاصيلها حكاية مدينةٍ لا تشبه غيرها؛ فإن طفولة المقدسيّين تحمل طابعاً مختلفاً، فهي ليست كأيّ ذكريات يحفظها المرء منذ صغره.
قبل نحو عامين، فقدت الطفلتان تاليا، 9 سنوات، وتولين، 6 سنوات، منزلهما في منطقة رأس العامود، بعد أن أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي قرارًا بهدمه بحجة عدم الترخيص، وفق ما تروي والدتهما فاطمة زيادة. واضطرت العائلة إلى هدم منزلها بنفسها لتجنب تكاليف الهدم التي تفرضها سلطات الاحتلال في حال نفذته طواقم تابعة لبلدية الاحتلال في القدس.
لم يكن المنزل بالنسبة إلى تاليا وتولين مجرد جدران؛ كان لكل منهما غرفتها ومساحتها الخاصة وألعابها وذكرياتها. تقول فاطمة إن الهدم ترك أثرًا نفسيًا عميقًا على طفلتيها، وإنها حاولت التخفيف عنهما وطمأنتهما بأن الله سيعوضهما ببيت أفضل. لكن فقدان المنزل كان بداية سلسلة جديدة من التحديات؛ فبعد أن كانت العائلة تملك منزلها، اضطرت إلى الانتقال إلى شقة مستأجرة في سلوان، مقابل إيجار مرتفع، لتجد نفسها أمام أعباء مادية ونفسية جديدة.
وتقول فاطمة إن العائلات التي تهدم منازلها لا تجد – في كثير من الأحيان – من يتابع حالتها النفسية أو أحوال أطفالها بعد فقدان البيت: (نحن متروكون).
من رأس العامود إلى سلوان، انتقلت عائلة فاطمة حاملة معها تجربة تتكرر بصور مختلفة في القدس؛ عائلات تواجه فقدان منازلها، وأخرى تعيش تحت تهديد الإخلاء، فيما تواجه المؤسسات والمراكز المجتمعية ذاتها قيودًا وضغوطًا تمس قدرتها على الاستمرار.
في سلوان، التي يصفها رئيس مجلس إدارة جمعية البستان، قتيبة عودة، بـ “الحاضنة الجنوبية للمسجد الأقصى المبارك”، تتداخل هذه الضغوط مع تفاصيل الحياة اليومية للسكان. وتعمل جمعية البستان بوصفها حاضنة مجتمعية وثقافية ورياضية فلسطينية، من خلال توفير الأنشطة اللامنهجية والفنون والرياضة والدورات التدريبية للأطفال والشباب والنساء، في منطقة تواجه، بحسب عودة، هدم المنازل والإخلاءات والتهديدات المستمرة بإزالة أجزاء من الحي لصالح مشاريع استيطانية.
وفي 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، هدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي المقر الرئيسي للجمعية. لكن الهدم لم ينهِ عملها؛ إذ واصلت الجمعية نشاطها أمام الركام إلى أن تمكنت من الانتقال إلى مقر جديد مستأجر.
ولا ينفصل ما يحدث في سلوان عن المشهد الأوسع الذي يعيشه المقدسيون. فبحسب المعطيات المتاحة، تصاعدت عمليات الهدم في حي البستان منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وطالت 52 منشأة وأسفرت عن تهجير 208 أشخاص، فيما يهدد مشروع “حديقة الملك” الاستيطاني بهدم ما بين 100 و150 منزلًا إضافيًا، بما قد يطال نحو 1550 مقدسيًا. كما تشير معطيات قانونية إلى أن رفض مخططات السكان وتعطيل حصولهم على تراخيص البناء أسهما في تحويل الحي إلى منطقة توصف بأنها “غير مرخصة”، وما ترتب على ذلك من مزيد من التهجير.
وفي الجانب التعليمي، تواجه المبادرات المجتمعية في القدس تحديات لا تقل تعقيدًا. فوفقًا لدراسة “التعليم في القدس: المبادرات المجتمعية للحفاظ على الهوية في مواجهة الأسرلة” والمنشورة لدى مؤسسة الدراسات الفلسطينية، تشمل هذه التحديات التمويل المشروط، والرقابة والقيود الإسرائيلية، ونقص البنية التحتية والغرف الصفية، إلى جانب ضعف التنسيق بين المؤسسات والجمعيات الأهلية. كما تواجه بعض المدارس ضغوطًا مرتبطة بالتمويل والترخيص والاعتراف، فيما يزيد نقص المساحات التعليمية والاكتظاظ من صعوبة توفير بيئة تعليمية مناسبة للأطفال.
في هذا السياق، ظهرت مبادرة “مدرسة البلد” التي أطلقها مركز التعليم المستمر في جامعة بيرزيت بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، بهدف تحسين مخرجات التعلم ودعم التعافي النفسي للأطفال في القدس، من خلال تمكين المراكز المجتمعية وتوفير بيئة داعمة وشاملة للتعلم والدعم النفسي والاجتماعي.
بدأت المبادرة بدراسة للاحتياجات التعليمية في منطقة القدس، لتحديد طبيعة الاحتياجات والمكان الأنسب للتدخل، ثم عُقدت اتفاقيات مع مؤسسة “يد واحدة” في العيسوية وجمعية البستان في سلوان. واستقطب المشروع 32 متطوعًا ومتطوعة من منطقة القدس، استكمل 25 منهم البرنامج التدريبي، الذي ركز على تمكينهم من التعامل مع الأطفال في مجالات القراءة والكتابة واللغة العربية والرياضيات والمهارات الحياتية.
وتوضح د. أسماء حمدان، الباحثة التربوية والمتخصصة في تصميم التعلم في مركز التعليم المستمر بجامعة بيرزيت، أن المبادرة لم تتعامل مع التعليم بمعزل عن الواقع الذي يعيشه الأطفال. فقد ركزت على ربطهم بسياقهم الفلسطيني، من خلال دمج الثقافة الوطنية في المواد والأنشطة التعليمية، بالتوازي مع التعامل مع المشكلات السلوكية والعنف والتنمر التي ظهرت لدى عدد من الأطفال، باعتبار أن الدعم النفسي والسلوكي أولوية تسبق التعليم والتعلم.
وكان من أكثر ما فاجأ فريق المشروع، بحسب حمدان، “الضعف الهائل” في اللغة العربية لدى بعض الأطفال، إلى جانب وجود مستويات مرتفعة من العنف والتنمر، خصوصًا بين الذكور في الصفوف الثالثة والرابعة والخامسة، ما استدعى تكييف الأنشطة والمواد التعليمية بما يستجيب لهذه الاحتياجات.
لكن التغيير لم يحدث دفعة واحدة. فالبدايات حملت صعوبات وإحباطًا لدى بعض الميسّرات في إدارة الصفوف، قبل أن تبدأ النتائج بالظهور بعد 26 أسبوعًا. تقول حمدان إن تغيرًا ملموسًا ظهر في سلوك الأطفال وفي قدرتهم على تقبل الآخرين، فيما نقل الأهالي ملاحظة أكثر بساطة ودلالة؛ أطفال كانوا يحتاجون في البداية إلى الضغط للذهاب إلى مركز التعلم، أصبحوا أكثر رغبة في الحضور إليه.
وبالنسبة لقتيبة عودة، لا تختصر أهمية “مدرسة البلد” في رفع التحصيل الأكاديمي، بل تتجاوز ذلك إلى ما يسميه “شراء زمن تعليمي” للأطفال في القدس؛ أي منحهم مساحة ووقتًا للتعلم والدعم النفسي والاجتماعي في ظل واقع يفرض عليهم ضغوطًا تتجاوز أعمارهم، كما ساهمت المبادرة في تهيئة المركز الجديد لجمعية البستان ليصبح جاهزًا لاستقبال الأطفال.
وتظهر هذه الضغوط في قصص الأطفال أنفسهم، ومن خلال مثل هذه القصص، تحاول المبادرة مساعدة الأطفال على فهم محيطهم والتعرف إلى حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها الحق في العيش والأمان، وتعزيز ارتباطهم بسياقهم الفلسطيني وهويتهم الوطنية.
بدورها قالت شيماء النتشة، معلمة التربية الخاصة واللغة العربية ومنسقة في مبادرة “مدرسة البلد”، إن تجربتها في المشروع تحولت من فضول في البداية إلى مسؤولية مهنية وشخصية. بدأت كمعلمة للغة العربية، ثم تولت تدريس الرياضيات واللغة العربية، وصولًا إلى تنسيق المشروع والمخيم الصيفي، وهي تجربة منحتها، كما تقول، خبرة أكبر في تحمل المسؤولية والعمل مع المجموعات وإدارة الطواقم.
وتصف النتشة واقع الطفل في سلوان بأنه حالة من “الاختناق”؛ ضيق في المساحات داخل المنازل والمدارس، وغياب للساحات الآمنة التي يستطيع الأطفال اللعب فيها، إلى جانب ضغط التعليم التقليدي وتعدد المناهج وكثافة الواجبات. وفي مواجهة ذلك، اعتمدت “مدرسة البلد” منهجية التعليم النشط والتعلم من خلال اللعب، لتمنح الأطفال تجربة مختلفة عن الصف التقليدي، وتعيد إليهم شيئًا من متعة التعلم.
ولا تنفصل هذه المساحة التعليمية عن الجانب النفسي. تتذكر النتشة طفلًا تحدث في أحد الدروس عن هدم منزله، حيث جاء حديثه عفويًا بعد طرح المعلمة قصة هدم منزل في أحد الدروس. وترى النتشة أن مثل هذه التجارب تؤكد أهمية توفير مساحة يستطيع الأطفال فيها التعبير عما يعيشونه وفهم محيطهم وحقوقهم بصورة أكثر عمقًا.
أما تاليا، فقد وجدت في هذه المساحة شيئًا آخر. تقول إنها تحب الذهاب إلى مقر جمعية البستان والمشاركة في فعاليات “مدرسة البلد”، لأنها تستطيع هناك أن تقضي وقتها بين اللعب والتعلم، مشيرة إلى أنها أصبحت تحب مادتي العلوم واللغة العربية.
وبالنسبة إلى تولين، التي لم تكمل عامها السابع بعد، تختصر التجربة في علاقتها بالميسّرة شيماء؛ فتقول إنها تحب الدراسة معها واللعب، وتصفها بأنها “ألطف شخص رأته”.
وربما تختصر كلمات الطفلتين شيئًا من فكرة “مدرسة البلد” نفسها. ففي مكان فقدت فيه عائلتهما منزلها، وفي حي هُدم فيه مقر جمعية لكنها عادت وفتحت أبوابها، وفي مدينة تضيق فيها المساحات الآمنة أمام الأطفال، أصبح وجود مكان يستطيع الطفل أن يذهب إليه ليتعلم ويلعب ويتحدث مع أقرانه قيمة تتجاوز حدود الحصة الدراسية.
واليوم، تستعد مبادرة “مدرسة البلد” لاختتام فعاليات مخيمها الصيفي، الذي وفر للأطفال المقدسيين مساحة للعب والتعلم والتفريغ النفسي والاجتماعي، استفاد منه نحو 600 طفل مقدسي، في محاولة لاستعادة جزء من طفولة يثقلها واقع المدينة.
“نحلم، نتعلم، ونحكي القصة”؛ شعار اختصرته المبادرة في كلمات قليلة، لكنه في سلوان يبدو أقرب إلى ممارسة يومية: أن يبقى للأطفال مكان يحلمون فيه، ويتعلمون، ويحكون قصتهم بأنفسهم.

