الدندنة والثرثرة والضحك.. ماذا يحاول سلوك طفلك أن يخبرك؟

الدندنة والثرثرة والضحك.. ماذا يحاول سلوك طفلك أن يخبرك؟
27 أغسطس 2026
(شباب اف ام) -

قد لا ينتبه الوالدان إلى طفل يدندن أثناء اللعب، أو يغني كلمات غير مكتملة، أو يطلق أصواتا مرحة، أو يبدأ في الحديث أكثر مع من حوله. تبدو سلوكيات عادية، لكنها قد تحمل -في بعض السياقات- إشارات إلى طريقة تعامله مع مشاعره وبيئته والآخرين.

فهل يمكن أن تعكس الدندنة والثرثرة واللعب التلقائي تطورا في قدرة الطفل على تنظيم انفعالاته والانخراط في محيطه؟

ما الذي يحدث داخل الطفل؟

ترتبط مشاعر الطفل بعمليات فسيولوجية وعصبية تتطور خلال الطفولة. وتشير أبحاث في علم نفس النمو إلى وجود علاقة بين نشاط الجهاز العصبي اللاإرادي والتطور السلوكي والانفعالي لدى الأطفال.

لكن لا يمكن اعتبار كل تصرف قراءة مباشرة لحالة الجهاز العصبي؛ فالعلاقة بينهما معقدة، وتتأثر بعمر الطفل ومزاجه وبيئته والسياق الذي يحدث فيه السلوك.

وفحصت دراسة -نُشرت عام 2011 لباحثين من جامعة ولاية بنسلفانيا- دور الجهاز العصبي اللاإرادي في تنظيم انفعالات 62 طفلا في سن الرابعة والنصف. وقاس الباحثون نشاط الجهازين السمبثاوي والباراسمبثاوي، ثم راقبوا استجابة الأطفال لموقف مخيب للآمال.

أظهرت الدراسة أن الأطفال الذين يميلون بطبيعتهم إلى الاندفاع وسرعة الاستثارة كانوا أكثر عرضة لصعوبة تنظيم مشاعرهم عندما لم يُظهر جهازهم العصبي استجابة واضحة أثناء التفاعل مع شخص غير مألوف. واعتمد الباحثون في ذلك على مؤشر يُعرف باسم PEP، وهو مقياس يُستخدم لرصد التغيرات المرتبطة بنشاط الجهاز العصبي السمبثاوي، المسؤول عن تجهيز الجسم للاستجابة للمواقف التي تتطلب انتباها أو جهدا.

ويرتبط ارتفاع النشاط السمبثاوي مع انخفاض تأثير الجهاز الباراسمبثاوي، المسؤول عن الراحة واستعادة الهدوء، بتنظيم انفعالي أفضل. لكن الدراسة صغيرة وارتباطية؛ لذلك لا تثبت أن نمطا عصبيا معينا يسبب تحسن التنظيم الانفعالي أو ضعفه.

التنظيم لا يعني الصمت

قد يعتقد بعض الآباء أن الطفل القادر على تنظيم مشاعره يكون هادئا طوال الوقت، لكن الأمر لا يتعلق بقلة الحركة أو الكلام. فقد يضحك الطفل ويغني ويركض ويتحمس، ثم يتمكن من العودة إلى الهدوء عندما يحتاج إلى التعلم أو التواصل مع الآخرين.

وتتطور هذه القدرة بمساعدة المحيطين به. فبحسب كلية الطب بجامعة هارفارد، يحتاج الطفل إلى شخص بالغ يتعامل معه بهدوء، ويساعده على فهم مشاعره والسيطرة عليها. لذلك، عندما يمر بنوبة غضب، على الوالدين تهدئة نفسيهما أولا، ثم مساعدته تدريجيا على استعادة هدوئه.

قد يعتقد بعض الآباء أن الطفل القادر على تنظيم مشاعره يكون هادئا طوال الوقت
قد يعتقد بعض الآباء أن الطفل القادر على تنظيم مشاعره يكون هادئا طوال الوقت (بيكسلز)

لماذا يدندن الطفل لنفسه؟

قد تكون الدندنة أو الأغنيات الخافتة أثناء اللعب والانتظار أكثر من عادة عابرة. فقد وجدت دراسة نُشرت عام 2011 ارتباطا بين المشاركة في برامج الموسيقى والحركة وبعض مهارات التنظيم الذاتي.

شملت الدراسة 89 طفلا بين الثالثة والرابعة؛ سبق لـ42 منهم الالتحاق بفصول للموسيقى والحركة، بينما لم يشارك 47 طفلا في برامج مماثلة. وأظهر أطفال المجموعة الأولى أداء أفضل في بعض اختبارات التنظيم السلوكي، واستخدموا الحديث الذاتي المرتبط بالمهمة بدرجة أكبر خلال اختبار للانتباه الانتقائي.

كما كانوا أكثر ميلا إلى الغناء أو الدندنة خلال اختبار طُلب منهم فيه مقاومة فتح هدية، وأقل ميلا إلى بدء الحديث مع القائم على التجربة. ورأى الباحثون أن الدندنة ربما ساعدتهم على الانتظار وكبح اندفاعهم. ومع ذلك، كانت الدراسة استكشافية وارتباطية، ولا تثبت أن دروس الموسيقى سببت هذا التحسن.

حين يصبح الطفل أكثر حضورا

درست أبحاث نُشرت عام 2023 العلاقة بين الأصوات التي يصدرها الأطفال وانخراطهم داخل فصول الدمج. وشملت 72 طفلا بين الثالثة والخامسة، موزعين على مجموعات اضطراب طيف التوحد، والتأخر النمائي، والنمو النمطي.

وسجل أطفال اضطراب طيف التوحد مستويات أقل من الانخراط مع المعلمين والأقران والمهام مقارنة بأطفال النمو النمطي. ومع ذلك، ارتبطت زيادة الأصوات التي يصدرها الأطفال عموما بارتفاع انخراطهم مع المعلمين والأقران. وهذا لا يعني أن كثرة الكلام تسبب تحسن التفاعل، لكنها قد تصاحب مشاركة اجتماعية أكبر.

وفي دراسة حديثة نُشرت عام 2026، حللت الباحثة تسجيلات يومية لـ15 طفلا بين الثالثة والرابعة داخل منازلهم. ووجدت أنهم استخدموا الغناء العفوي للتأثير في الآخرين، والتعبير عن رغباتهم، ومقاومة بعض أشكال التحكم، وتأكيد استقلاليتهم.

وتقدّم الدراسة الغناء بوصفه وسيلة للتواصل والتفاوض الاجتماعي، لا مجرد تسلية. لكن عينتها صغيرة ومتقاربة اجتماعيا وثقافيا؛ لذلك لا يمكن تعميم نتائجها على جميع الأطفال.

اجتماع عدة مؤشرات، مثل زيادة التواصل والمبادرة واللعب التلقائي، قد يعكس تغيرا في تفاعل الطفل مع محيطه
اجتماع عدة مؤشرات، مثل زيادة التواصل والمبادرة واللعب التلقائي، قد يعكس تغيرا في تفاعل الطفل مع محيطه (بيكسلز)

المعنى في الصورة الكاملة

إذا بدأ طفل سريع الانفعال في الضحك والثرثرة والدندنة واللعب بصورة أكثر تلقائية، فلا يعني أي من هذه السلوكيات منفردا تحسن حالته النفسية أو “تنظيم جهازه العصبي”. فقد يدندن لأنه سعيد أو يشعر بالملل أو يقلد أغنية أو يحاول تهدئة نفسه، كما قد تكون الأصوات المتكررة وسيلة للتحفيز الذاتي لدى بعض الأطفال.

لكن اجتماع عدة مؤشرات، مثل زيادة التواصل والمبادرة واللعب التلقائي والاستمتاع، إلى جانب استعادة الهدوء بسهولة أكبر بعد الانزعاج، قد يعكس تغيرا أوسع في تفاعل الطفل مع نفسه ومحيطه. لذلك، لا تُفهم الدندنة بوصفها علامة منفردة، بل ضمن نمط سلوكي متكامل وتغيرات يمكن ملاحظتها مع مرور الوقت.

المصدر: الجزيرة
س.ب