تطل علينا هذه الذكرى العظيمة، ذكرى مولد سيد البريّة رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ونحن في أشد الحاجة إلى دروس هذه الذكرى ، لما فيها من عظات وعبر مفيدة ، وتَمرُّ علينا وتجدد في نفوس المؤمنين المخلصين ، هذه النفوس التي تمسكت بالحق ودافعت عنه وسارت في ركابه .
وأقول كلمتي في هذه الذكرى العطرة… وأطلقها صرخةً مدّويةً بأن الإسلام سيبقى، عالياً وهو الدّين الحق ، مهما حاول أعداؤه المسّ به واتهامهم الجائر بأنه دينٌ ارهابيّ، لا ولن يهزم ولن تزول شريعة خاتم الأنبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم، ومهما حاولت النفوس الشّريرة المس بنبينا بوساطة الرسومات الكاريكاتيرية فلن تتأثر مشاعرنا وعقيدتنا ومحبتنا تجاه رسولنا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، أجل، إن الأنبياء هم رسل الله الى البشر، أدوا رسالتهم وسعوا الى بناء صرح أخلاقي… صرح إيماني… صرح توحيدي… وهو عبادة الله وحده لا شريك له ورفع كلمة لا إله الا الله تعالى ، وهناك رسالة واحدة اختارها الله لجميع البشر لتصل بهم الى ذروة الارتقاء في الايمان والتوحيد، وتفيدهم في حياتهم العامة والخاصّة ، وتحل مشاكلهم جميعاً. وقد حملها نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ليؤديها وينشرها بين الناس جميعاً فيتم البناء الذي بدأه إخوانه الأنبياء من قبله، فهذه الرسالة المحمدية باقية على مر العصور والأزمان… تتألق في بقاع الأرض المعمورة الى يوم القيامة. وقد تركت أثراً ملموساً في حياتنا، بل في حياة البشر أجمعين.
إنها الرسالة التي فتحت آفاق العقول… وأطلقت العنان للفكر والتأمل في هذا الكون وأنارت الدرب للناس… درب الهدى والنور، وأزالت هذه الغشاوة والظلمة بنور المعرفة والإيمان، وثبتت المفاهيم الإنسانية في النفوس. فيجب علينا وحريٌ بنا أن ننظر الى هذه الذكرى بعين الاهتمام والحرص، وأن تجدد في نفوسنا للاقتداء بصاحبها في حياتنا ودوافعنا، وأن نقوم بدراستها لما فيها من أثرٍ في تاريخ عالمنا الذي نحياه… ولما لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أثرٍ كبير في تاريخ الحضارات، لما اجتمعت فيه من صفات العظمة والإصلاح والعبقرية ولقد شهد علماء الغرب بذلك.
لقد قال الأديب الروسي تولستوي : “…مما لا ريب فيه أن النبيّ محمداً كان من أعظم الرجال المصلحين، الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمةً جليلة، ويكفيه فخراً نه هدى أمّةً برمّتها الى نور الحق، وجعلها تجنح للسكينة والسّلام وتؤثر عيشة الزهد، ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشريةـ وفتح لها طريق الرقي والمدنية، وهو عملٌ عظيم لا يقوم به الا شخص أوتي القوّة، ورجل مثل هذا جدير بالاحترام والإكرام…”.
لذا فنحن المسلمين بل نحن العرب مدينون لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه وحّد لغتنا التي يتكلّم بها ما يزيد عن خمسمائة ميلون من الناس لساناً واحداً، وهي تتصف بقوّة البيان، ولا تجوز قراءة القرآن الكريم الا بها وحدها.
وقد قال جان جاك روسّو في القرن الثامن عشر للميلاد: “…من الناس من يتعلم قليلاً من العربية ثم يقرأ القرآن الكريم فيضحك منه، ولو أن محمداً يمليه على النّاس بتلك اللغة الفصحى الرقيقة، وذلك الصوت المقنع المطرب المؤثر في شغاف القلوب، ورآه أي إنسان وهو يؤكد أحكامه بقوة البيان، لخر ساجداً على الأرض، وناداه يا أيها النبي يا رسول الله خذ بأيدينا الى مواقف الشرف والفخار أو مواقع التهلكة والأخطار، فنحن من أجلك نودّ الموت أو الانتصار”.
ونحن مدينون أيضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في نجاتنا من الوثنية المضللة والجهل المظلم، فهو الذي جعلنا أمةً متحضرة تحمل لواء العلم والمعرفة في العالم عشرة قرون، كانت فيها لغتنا العربية السائدة في تلك الفترة… وكتبنا المشرقة ” القرآن الكريم والحديث الشريف” وكتب العباقرة والعلماء من المسلمين الأفذاذ ، فهل التزمنا في هذه الأيام على تعاليم ديننا؟ وهل حافظنا على تراثنا وموروثنا الحضاري؟
أجل نحن مدينون لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث نجانا من الأمراض الخلقية والنفسية آنذاك والتي تكاد تفتك بنا الآن حيث جهلنا فضل رسولنا وتركنا سنته صلى الله عليه وسلم ولم نقتدِ بأعماله العظيمة وأخلاقه القرآنية الكريمة.
إنّه رسولنا العظيم محمد صلى الله عليه وسلم الذي رفع راية الإسلام بدين الله فهو النبي الذي جُمعت فيه أسمى الصفات الإنسانية، ومن أبرزها الطهارة والأمانة والصدق والعفو.
وقد قالت لورافيشيا فاغليري أستاذة اللغة العربية والحضارة الإسلامية في جامعة نابولي الإيطالية: ” وحاول أقوى أعداء الإسلام وقد أعماهم الحقد أن يرموا نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم ببعض التهم المفتراة، لقد نسوا أن محمداً كان قبل أن يستهل رسالته موضع الاجلال العظيم من مواطنيه ، بسبب أمانته وطهارة حياته ومن عجب أن هؤلاء الناس لا يجشمون أنفسهم عناء التساؤل ، كيف جاز أن يقوى محمد على تهديد الكاذبين والمرائين في بعض آيات القرآن اللاسعة بنار الجحيم الأبدية، لو كان هو قبل ذلك رجلاً كذّاباً ؟ فكيف يجرؤ على التبشير على الرّغم من إهانات مواطنيه ؟ وكيف استطاع أن يستهل صراعاً كان يبدو يائساً ؟ كيف وقف صلى الله عليه وسلم على أن يواصل هذا الصّراع أكثر من عشر سنوات في مكّة في أحزان لا تحصى لو لم يكن مؤمناً إيماناً عميقاً بصدق رسالته؟ وكيف جاز أن يؤمن به هذا العدد الكبير من المسلمين النبلاء الأذكياء وأن يؤازروه ويدخلوا في الدين الجديد ويشدوا أنفسهم بالتالي إلى مجتمع أكثره مؤلف من الأرقاء والفقراء المعدمين لو لم يلمسوا في كلمته حرارة الصّدمة والفخر بما شهد به الأعداء؟ ” .
معذرة يا رسول الله… نعم إنك رسول الله ونحن أتباعك ولن نتخلى عن سنتك يا نبي الله وخير الأنام .
“إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول”
والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

