تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي اعتقال الطبيبة الفلسطينية ديما أمين، البالغة من العمر 55 عامًا، من مدينة رام الله، رغم تعرضها لأزمة قلبية خلال اعتقالها وخضوعها لعملية قسطرة، فيما مددت محكمة عسكرية اعتقالها خمسة أيام على خلفية منشورات عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
واعتُقلت أمين، وهي طبيبة نسائية، من منزلها في رام الله فجر الثلاثاء الماضي، قبل أن تبقى عائلتها ومحاميها نحو 36 ساعة من دون معرفة مكان احتجازها. وبحسب ما أوردته صحيفة “هآرتس”، نُقلت الطبيبة، وفق تقديرها، إلى قاعدة عسكرية في منطقة رام الله قبل تدهور حالتها الصحية.
وقالت أمين إن الجنود شدوا القيود على يديها بقوة رغم طلبها منهم عدم فعل ذلك، قبل أن تشعر بوعكة صحية وتنقل إلى مستشفى “هداسا – هار هتسوفيم” في القدس، حيث خضعت لقسطرة إثر إصابتها بأزمة قلبية.
وفي ظهر اليوم التالي، خرجت أمين من المستشفى ونُقلت إلى التحقيق في مركز شرطة “بنيامين”، وفقط بعد تقديم محاميها محمود حسان طلبًا عاجلًا للإفراج عنها، أبلغته الشرطة بأنها تخضع للتحقيق وسمحت له بالتحدث معها هاتفيًا.
وكان حسان قد تقدم بالطلب بعدما فشل طوال نحو 36 ساعة في تحديد مكان موكلته، ولم يجدها في أي من مراكز الشرطة التي تواصل معها، محذرًا من أن غياب أي معلومات عن مكان احتجازها يثير “خشية شديدة على مصيرها”.
وفي جلسة عقدت الخميس الماضي في المحكمة العسكرية بسجن عوفر، ادعى محقق في الشرطة الإسرائيلية أن ملف التحقيق يتضمن نحو 100 منشور منسوب إلى أمين، نُشرت بين عام 2024 وأيار/ مايو 2026، وأن 38 منها عُرضت عليها خلال التحقيق، فيما لم تكن بقية المنشورات قد تُرجمت بعد.
واعترض حسان على ادعاء الشرطة بأن موكلته تشكل “خطرًا”، وطالب المحكمة بأخذ حالتها الصحية في الاعتبار، كما أثار احتمال وجود صلة بين الأزمة القلبية وشد القيود على يديها، مشيرًا إلى أن آثارها كانت لا تزال ظاهرة على معصميها.
وقرر القاضي العسكري تمديد اعتقال أمين خمسة أيام، معتبرًا أن بعض المنشورات التي اطلع عليها على الأقل تندرج، وفق توصيفه، ضمن “التحريض”، وزعم أنها تضمنت إشادة بقيادات من حركتي حماس وحزب الله.
وبشأن وضعها الصحي، زعم القاضي أن “الافتراض هو أن جهات السجن ستعرف كيف توفر الاستجابة المطلوبة للمشتبه بها”، فيما من المقرر أن تُعقد جلسة أخرى للنظر في اعتقالها يوم الإثنين.
وأفادت طبيبة في جمعية “أطباء لحقوق الإنسان” بأن المعطيات المتاحة لدى العائلة والمحامي لا تكفي للجزم فيما إذا كان إخراج أمين من المستشفى قد تم في الوقت المناسب.
وأضافت أنه “إذا كانت الأزمة القلبية بسيطة ومن دون مضاعفات، وبحسب طبيعة القسطرة، فمن الممكن أحيانًا إخراج المريض بعد يوم”، موضحة أن حالات أخرى تستدعي البقاء في المستشفى يومين أو ثلاثة.
وقال مركز “بتسيلم” الحقوقي الإسرائيلي، الجمعة، إن اعتقال أمين رافقه، بحسب إفادات أفراد من عائلتها وجيرانها، اقتحام عنيف لمنزلها وتكسير للأبواب وإلحاق أضرار بالممتلكات.
وأضاف المركز أن عائلتها لم تتمكن من معرفة مكانها لنحو 30 ساعة، قبل أن يتضح أنها تعرضت خلال احتجازها لأزمة قلبية ونقلت إلى المستشفى وخضعت لقسطرة، مؤكدًا أنها أعيدت بعد ذلك إلى الاحتجاز في مركز “المسكوبية” في القدس.
ونقل “بتسيلم” عن محاميها قوله إن أمين “كانت مقيدة بإحكام خلال مكوثها في المستشفى، وكانت آثار القيود ظاهرة على معصميها”.
وأشار المركز إلى أن السلطات الإسرائيلية تتهم الطبيبة بـ”التحريض، ودعم منظمة معادية، والإضرار بالأمن”، موضحًا أن هذه الاتهامات باتت “أداة مركزية في ملاحقة الفلسطينيين بسبب نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي”، وأن مئات الفلسطينيين اعتُقلوا على هذه الخلفية منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وحذّر “بتسيلم” من أن السجون الإسرائيلية تحولت، وفق توثيقاته وإفادات أسرى محررين، إلى “منظومة من الانتهاكات الممنهجة”، تشمل العنف الجسدي والإذلال والحرمان من العلاج الطبي وظروف احتجاز وصفها بأنها “لاإنسانية”.
وقالت المديرة العامة لـ”بتسيلم”، يولي نوفاك، إن أمين “واحدة من أكثر من 9300 فلسطيني محتجزين حاليًا في منظومة السجون الإسرائيلية، حيث أصبح التنكيل والظروف اللاإنسانية أمرًا اعتياديًا”.
وأضافت أن قضيتها “تُظهر وحشية هذه المنظومة، إذ إن امرأة تبلغ 55 عامًا تتعرض لعارض قلبي، ومع ذلك تُعاد إلى الاحتجاز وتبقى سجينة”، معتبرة أن ذلك يعكس “سياسة ترهيب السكان المدنيين والتعذيب والتنكيل”.
وفي سياق متصل، أظهرت ردود الشرطة الإسرائيلية على استفسارات من صحيفة “هآرتس” تناقضًا بشأن تسلسل ما تعرضت له أمين ومكان احتجازها. إذ قالت الشرطة ظهر الأربعاء إن “موضوع اعتقالها غير معروف للشرطة”، وأحالت الصحيفة إلى الجيش، بما أوحى حينها بأنها كانت في عهدته.
لكن الشرطة عادت مساء اليوم نفسه وقالت للصحيفة إنه “بعد اعتقالها، نُقلت إلى التحقيق لدى الشرطة وخضعت لفحص طبي في المستشفى، حيث تقرر أنها مؤهلة للتحقيق والاحتجاز”، وهي رواية لا تتطابق مع التسلسل الذي قدمته أمين بشأن نقلها إلى المستشفى قبل التحقيق.
كما لم يتطرق رد الشرطة إلى الأزمة القلبية، فيما قال الجيش الإسرائيلي للصحيفة إن أمين كانت في عهدة الشرطة بعدما تحدث إليها محاميها، من دون أن يوضح ملابسات إصابتها بالأزمة القلبية أثناء احتجازها لدى قوة عسكرية.
وكانت وزارة الخارجية الفلسطينية قد حذرت، الثلاثاء، في رسائل عاجلة وجهتها إلى الأمم المتحدة والمفوض السامي لحقوق الإنسان ومجلس حقوق الإنسان ومنظمة الصحة العالمية، من أن الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأسرى، وفي مقدمتها الحرمان من الرعاية الطبية والإهمال الصحي، قد ترتقي إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
س.ب

