أمراض مناعية لم نسمع بها من قبل.. العلم يكشف ما كان مجهولا

أمراض مناعية لم نسمع بها من قبل.. العلم يكشف ما كان مجهولا
13 أغسطس 2026
(شباب اف ام) -

تسجل أمراض المناعة الذاتية حضورا متزايدا في الأنظمة الصحية حول العالم، وسط محاولات علمية لفهم أسباب ارتفاع معدلات بعضها، ودور التغيرات البيئية ونمط الحياة والعدوى والتطور الكبير في أدوات التشخيص في كشف أمراض لم يكن الطب يعرفها قبل سنوات قليلة.

وتشير تقديرات حديثة إلى أن أمراض المناعة الذاتية بمختلف أنواعها قد تصيب ما بين 5% و10% من سكان العالم. وفي دراسة واسعة شملت السجلات الصحية لنحو 22 مليون شخص في بريطانيا، تبيّن أن 19 مرضا مناعيا ذاتيا شملتها الدراسة أصابت مجتمعة نحو 10% من السكان.

ولا تتحرك جميع هذه الأمراض في الاتجاه نفسه؛ إذ تختلف معدلات الانتشار والإصابة من مرض إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى، لكنّ دراسات حديثة تشير إلى أن العبء الإجمالي للأمراض المناعية مرشح للارتفاع خلال العقود المقبلة، مع زيادة أعداد الحالات وتغير التعرض للعوامل البيئية وأنماط الحياة.

كيف تحدث؟

تحدث أمراض المناعة الذاتية عندما يفقد جهاز المناعة قدرته الطبيعية على التمييز بين مكونات الجسم والعوامل الغريبة، فيوجه استجابته ضد خلايا وأنسجة سليمة، مما يؤدي إلى التهاب مزمن قد يُسبب مع الوقت تلف الأعضاء أو اضطراب وظائفها.

ولا يزال السبب الدقيق وراء معظم هذه الأمراض غير معروف، لكنّ الأدلة تشير إلى تفاعل معقّد بين الاستعداد الجيني وعوامل خارجية قد تشمل العدوى والتدخين وبعض المواد الكيميائية والنظام الغذائي والسمنة وتغير الميكروبيوم (Microbiome) والتلوث وعوامل أخرى مرتبطة بنمط الحياة والبيئة.

وفي الوقت نفسه، أسهم التقدم في علم الجينات وتقنيات التسلسل الجيني في تعريف اضطرابات مناعية نادرة لم تكن معروفة سابقا. وهذا لا يعني بالضرورة أنها ظهرت فجأة خلال السنوات الأخيرة، بل إن بعضها ربما كان موجودا منذ زمن، لكن المرضى كانوا يُصنفون تحت تشخيصات أخرى قبل اكتشاف السبب الجيني المسؤول.ومن أبرز هذه الحالات متلازمات فيكساس (VEXAS) وسافي (SAVI) وكوبا (COPA)، وهي أمراض نادرة تختلف في آلياتها وتصنيفها عن أمراض المناعة الذاتية التقليدية، ويُصنف بعضها بصورة أدق ضمن أمراض الالتهاب الذاتي أو الأمراض التي تجمع بين الالتهاب الذاتي والمناعة الذاتية.

متلازمة فيكساس (VEXAS)

لم تدخل متلازمة “فيكساس” (VEXAS) القاموس الطبي إلا عام 2020، بعد اكتشاف طفرات مكتسبة في جين “يو بي إيه 1” (UBA1) لدى مجموعة من المرضى الذين عانوا التهابات جهازية شديدة واضطرابات في الدم.

وتُصنف المتلازمة أساسا كمرض التهابي ذاتي مكتسب يبدأ في مرحلة البلوغ، وليس مرضا وراثيا تقليديا ينتقل بالضرورة من الآباء إلى الأبناء.

وتصيب غالبية الحالات الرجال بعد سن الخمسين، وقد تتسبب في الحمى والإرهاق وفقدان الوزن والتهابات الجلد والغضاريف والمفاصل والأوعية الدموية، إلى جانب مشكلات في الرئتين واضطرابات دموية قد تكون شديدة.

وقدّرت دراسة اعتمدت بيانات أكثر من 163 ألف شخص وجود الطفرات المسببة للمرض لدى شخص من كل 13 ألفا و591 شخصا تقريبا، بينما ارتفع التقدير إلى رجل من كل 4269 رجلا تجاوزوا سن الخمسين.

ويعني ارتباط المرض بالعمر أن شيخوخة السكان قد تزيد عدد الحالات التي تظهر أمام الأطباء، لكن العامل الأهم وراء دخوله الحديث إلى القاموس الطبي هو تطور التشخيص الجيني، الذي سمح بتجميع أعراض كانت تبدو منفصلة تحت مرض واحد.

متلازمة سافي (SAVI)

قبل ذلك بسنوات، وتحديدا عام 2014، تعرّف العلماء على متلازمة “سافي” (SAVI)، وهي مرض التهابي ذاتي نادر ينتج عن طفرات تؤدي إلى فرط نشاط بروتين ستينغ (STING) المسؤول عن أحد مسارات الدفاع المناعي.

ويبدأ المرض غالبا في مرحلة الرضاعة أو الطفولة المبكرة، ويؤدي إلى التهاب مستمر في الأوعية الدموية، خصوصا الأوعية الصغيرة، وقد تظهر إصابات جلدية شديدة في الوجه والأذنين والأنف وأصابع اليدين والقدمين، إلى جانب إصابة الرئتين والمفاصل.

وتظل SAVI شديدة الندرة، ولذلك لا تزال المعرفة بمسارها وتنوع أعراضها محدودة مقارنة بالأمراض المناعية الأكثر شيوعا.

متلازمة كوبا (COPA)

أما متلازمة “كوبا” (COPA) فقد وُصفت عام 2015، وترتبط بطفرات في جين يحمل الاسم نفسه، ويمكن أن تؤثر في الجهازين المناعي الفطري والتكيفي.

وغالبا ما تبدأ أعراضها في الطفولة، وتتركز بصورة خاصة في الرئتين والمفاصل والكلى، إذ قد يصاب المرضى بمرض رئوي خلالي أو نزيف رئوي والتهاب المفاصل والتهاب كبيبات الكلى.

ومن الخصائص اللافتة للمتلازمة أن وجود الطفرة لا يعني بالضرورة ظهور المرض لدى حاملها، وهي ظاهرة تُعرَف بعدم النفاذ الكامل، ما يشير إلى احتمال مساهمة عوامل جينية أو بيئية أخرى في تحديد من تظهر عليه الأعراض.

أمراض جديدة أم تشخيص جديد؟

ظهور أسماء هذه المتلازمات خلال العقد الأخير لا يعني أن البشر بدؤوا فجأة في الإصابة بأمراض لم تكن موجودة من قبل.

فالتوسّع في استخدام التسلسل الجيني ودراسة الخلايا والمسارات المناعية مكّن الباحثين من التعرف على أسباب اضطرابات كان بعض مرضاها يُشخَّصون سابقا بأمراض روماتيزمية أو التهابية أو دموية غير محددة.

وفي الوقت نفسه، هناك أدلة على ارتفاع انتشار كثير من أمراض المناعة والالتهاب الذاتي في مناطق مختلفة من العالم، وهي زيادة أسرع من أن تفسرها التغيرات الجينية البشرية وحدها، مما يدفع الباحثين إلى النظر بصورة متزايدة إلى العوامل البيئية ونمط الحياة.

مواد PFAS تحت المجهر

تأتي المواد الكيميائية المعروفة باسم “المواد البيرفلورية والبولي فلورية الألكيلية” (PFAS)، أو ما يُعرَف أحيانا بـ”المواد الكيميائية الأبدية”، ضمن العوامل البيئية التي تحظى باهتمام متزايد.

واستُخدمت هذه المركبات على نطاق واسع منذ عقود في منتجات مقاومة للماء والدهون والحرارة والبقع، وتمتاز بصعوبة تحللها وقدرتها على البقاء في البيئة والتراكم.

وفي أبريل/نيسان 2026، نشرت دورية “أرشيفز أوف توكسيكولوجي” (Archives of Toxicology) مراجعة شملت 51 دراسة تناولت العلاقة بين التعرض لمواد PFAS والمناعة الذاتية.

ووجدت 33 دراسة ارتباطا بين ارتفاع التعرض وبعض مؤشرات أو أمراض المناعة الذاتية، مع أقوى الأدلة بالنسبة إلى الداء البطني والتهاب الأمعاء، في حين ظلت الأدلة أضعف أو غير حاسمة بالنسبة إلى أمراض أخرى.

وشدد الباحثون على أن أغلب الدراسات المتاحة لا تسمح بإثبات علاقة سببية مباشرة، وأن المجال يحتاج إلى مزيد من الدراسات طويلة الأمد.

المبيدات الزراعية

تمثل المبيدات مجالا آخر للبحث، لكنّ الأدلة تستدعي الحذر أيضا. فقد ربطت دراسات بعض أنواع المبيدات بارتفاع احتمالات الإصابة بأمراض مناعية معينة، مثل الذئبة ومتلازمة شوغرن والتهاب المفاصل الروماتويدي وأمراض الأمعاء الالتهابية، إلا أن النتائج تختلف باختلاف المادة المستخدمة ومدة التعرض والسكان محل الدراسة.

وفي دراسة أمريكية شملت أكثر من 54 ألف شخص يعملون في المجال الزراعي أو يعيشون مع العاملين فيه، ارتبط استخدام بعض المبيدات بارتفاع خطر الإصابة بالذئبة أو متلازمة شوغرن، بينما لم يظهر الارتباط مع أنواع أخرى، مما يؤكد تعقيد العلاقة وعدم إمكانية التعامل مع جميع المبيدات بوصفها عاملا واحدا.

كوفيد والمناعة الذاتية

وتُعد العدوى الفيروسية من أكثر المحفزات المناعية التي تخضع للدراسة، ومن بينها فيروس إبشتاين-بار والفيروس المضخم للخلايا وفيروس كورونا المسبب لـ”كوفيد-19″.

وأظهرت دراسة واسعة اعتمدت بيانات من كوريا الجنوبية واليابان أن الأشخاص الذين أصيبوا بـ”كوفيد-19″ كانوا أكثر عرضة لاحقا لتشخيص أمراض روماتيزمية التهابية مناعية مقارنة بأشخاص لم يصابوا بالفيروس أو أصيبوا بالإنفلونزا، كما ارتبطت العدوى الأشد بخطر أعلى.

أما كوفيد طويل الأمد، فتختلف تقديرات انتشاره بشدة وفقا لتعريف الحالة والسكان وفترة المتابعة. وخلص تحليل نشر عام 2026 وشمل أكثر من 200 ألف مشارك إلى متوسط مجمع بلغ 30.8%، لكن الباحثين شددوا على وجود تفاوت هائل بين الدراسات، محذرين من التعامل مع هذه النسبة باعتبارها معدلا عالميا ثابتا.

لغز لم يكتمل

لا يوجد عامل واحد يمكن تحميله مسؤولية الزيادة في أمراض المناعة الذاتية أو ظهور متلازمات مناعية جديدة. فالجينات تحدد جزءا من القابلية للإصابة، بينما قد تتفاعل معها العدوى والملوثات والتدخين والنظام الغذائي والسمنة وتغير الميكروبيوم وعوامل بيئية أخرى على مدى سنوات.

وفي المقابل، فإن الثورة في علم الجينات والتشخيص جعلت الطب أكثر قدرة على تسمية أمراض كانت موجودة بالفعل لكنها مجهولة الهوية.

وهكذا، لا تكشف القائمة المتزايدة للأمراض المناعية عن تغير جهاز المناعة البشري فقط، بل تكشف أيضا عن تغير قدرتنا على رؤيته وفهم أعطاله، في سباق علمي لا يزال بعيدا عن الوصول إلى الصورة الكاملة.

المصدر: الجزيرة
ع.ه