أين ذهب الأصدقاء؟ لماذا تصبح الصداقات الجديدة نادرة بعد الثلاثين؟

أين ذهب الأصدقاء؟ لماذا تصبح الصداقات الجديدة نادرة بعد الثلاثين؟
13 أغسطس 2026
(شباب اف ام) -

في مرحلة ما من حياتك، قد تنظر حولك وتدرك أن دائرة أصدقائك تقلصت بشكل ملحوظ، تزوج البعض وأنجبوا أطفالا، وانتقل آخرون إلى أماكن مختلفة للعمل وأصبحت جداولهم أكثر ازدحاما، ومع تزايد المسؤوليات قد تتراجع الصداقة في قائمة الأولويات باعتبارها علاقة طوعية ومرنة، على عكس العلاقات الأسرية، ما يجعلها أكثر عرضة للتغيير.

وفي هذا السياق يشير الباحث روبرت بوتنام في كتابه “البولينج بمفردك” إلى أن الصداقات التي تتشكل في المدرسة أو الجامعة أو في بداية الحياة العملية خلال العشرينيات، قد تكون آخر الصداقات التي يكوّنها كثير من الأشخاص، مع تزايد المسؤوليات وتغير طبيعة العلاقات التي يحتاج إليها الفرد لتناسب نمط حياته الجديد.

ومع ذلك، فإن تكوين صداقات جديدة في مرحلة البلوغ ليس بالسهولة التي كان عليها في الطفولة، إذ يتطلب الأمر ما هو أكثر من مشاركة المقعد الدراسي أو تفضيل البرنامج الكرتوني نفسه، ولم يعد السؤال البسيط “هل تريد أن تكون صديقي؟” كافيا لصنع صداقة تستمر.

لذا، إذا بدا لك أن تكوين الصداقات أصبح أكثر صعوبة، فلا تسارع إلى لوم نفسك أو الاعتقاد بأن السبب يعود إلى عيب في شخصيتك أو أنك أصبحت أقل جاذبية أو أكثر انطواء، فبحسب علماء الاجتماع، قد لا تتوفر في مراحل لاحقة من الحياة بعض الظروف التي كانت تجعل الصداقات تنشأ بصورة طبيعية، لتصبح الصداقة الجديدة بحاجة إلى قدر أكبر من الوقت والمبادرة والانفتاح، إضافة إلى تحديد المواعيد وتنسيق الجداول.

لماذا يصعب علينا تكوين صداقات كلما تقدمنا في العمر؟

قد يتعرف البالغون على الكثير من الأشخاص، ولكنْ دون أن تتحول هذه العلاقات إلى صداقات مقربة، ووفق استطلاع للرأي أجراه مركز دراسات الحياة الأمريكية عام 2021، أفاد 12% من البالغين الأمريكيين بعدم وجود أي أصدقاء مقربين لديهم، بينما قال نحو نصف الأمريكيين إن لديهم 3 أصدقاء مقربين أو أقل.

ويرى المتخصصون أن ذلك قد يرجع إلى عدة أسباب، أبرزها:

  • غياب التفاعل المستمر غير المخطط له

مع تغير الظروف الحياتية، يصبح من الصعب توفير التفاعلات المتكررة والعفوية، والتي يرى علماء الاجتماع أنها من أهم مقومات تكوين الصداقات الوثيقة، هذا ما أشارت إليه ريبيكا جي آدامز، أستاذة علم الاجتماع ودراسات الشيخوخة في جامعة نورث كارولينا لموقع “نيويورك تايمز”.

وأضافت آدمز، كذلك قد لا تتوفر الظروف التي تشجع الأشخاص على مشاركة جوانب شخصية من حياتهم والبوح بأسرارهم بعضهم لبعض مع الشعور بالقبول، وتابعت: “هذا ما كان متاحا بصورة طبيعية في مراحل المدرسة والجامعة وكان سببا وراء تعرف كثيرين على أصدقاء العمر خلال هذه المراحل العمرية”.

  • عوامل تتعلق بالثقة

مع بلوغك منتصف العمر، قد تتراكم في الذاكرة تجارب الرفض أو خيانة الثقة، إلى جانب علاقات استثمرنا فيها الوقت والجهد ثم انتهت فجأة، ما قد يجعل كثيرين أكثر حذرا من الانفتاح على أصدقاء جدد، ويصبح بناء الثقة وإظهار الضعف العاطفي، وهما عنصران أساسيان في الصداقة، أكثر صعوبة.

  • ضيق الوقت

تزداد مسؤوليات البالغين بين العمل والأسرة والأطفال والالتزامات المختلفة، ما يترك وقتا أقل لبناء علاقات جديدة، ويدعم ذلك دراسة أجراها الباحث جيفري هول من جامعة كانساس عام 2018، وجدت أن الانتقال من مجرد معرفة إلى صداقة عادية يتطلب نحو 50 ساعة من التفاعل، بينما تحتاج الصداقة الوثيقة إلى أكثر من 200 ساعة من الوقت المشترك، وهو ما يجعل توفير هذا الوقت تحديا حقيقيا.

  • الانتقائية في اختيار الأصدقاء

لا تقتصر العقبات على العوامل الخارجية، فبعد سن الثلاثين، ينتقل الإنسان من مرحلة “اكتشاف الذات” إلى مرحلة “معرفة الذات” وتتغير نظرته للصداقة ويصبح أكثر وعيا بذاته وبما يريد من علاقاته، ما قد يجعله أكثر انتقائية في اختيار الأشخاص الذين يسمح لهم بالاقتراب منه.

لماذا ينبغي الاهتمام بالصداقات في مختلف مراحلنا العمرية؟

أظهرت دراسة هارفارد لتطور البالغين، وهي واحدة من أطول الدراسات المستمرة حول حياة الإنسان، أن العلاقات الإيجابية والقوية ترتبط ارتباطا وثيقا بالسعادة والصحة الجيدة وطول العمر.

ووفق علماء الاجتماع، فإن العلاقات الداعمة تحفز إفراز الإندورفين، الذي لا يقتصر دوره على تخفيف التوتر وتحسين المزاج فحسب، بل يحفز أيضا جهاز المناعة ويعزز دفاعات الجسم الطبيعية ضد الفيروسات.

ومن الناحية النفسية، تشير الأدلة إلى أن الصداقات القوية تساعد على مواجهة مشاعر الوحدة والقلق والاكتئاب، وتوفر شعورا بالانتماء والأمان العاطفي، وتمنح الفرد مساحة للتعبير عن مشاعره والحصول على  التقدير والحفاظ على شعوره بهويته واستقراره النفسي، بما يعزز قدرته على التكيف مع الضغوط ومواجهة أزمات الحياة مثل الطلاق أو المرض أو فقدان العمل أو وفاة أحد الأحباء.

إستراتيجيات تساعدك على تكوين صداقات

  • لا تنتظر أن تحدث الصداقة من تلقاء نفسها:

في مرحلة البلوغ، تحتاج العلاقات الجديدة إلى قدر أكبر من المبادرة والاستمرارية. خذ الخطوة الأولى، قدم نفسك وابدأ الحديث، ولا تتردد في اقتراح لقاء بسيط أو تبادل أرقام الهواتف إذا شعرت بوجود مساحة للتواصل.

  • توقع القبول بدلا من الخوف من الرفض:

لا تدع الخوف من الرفض يمنعك من الاقتراب من الآخرين، إذ تشير دراسات نفسية إلى أننا نميل إلى التقليل من تقدير مدى إعجاب الآخرين بنا بعد المحادثات الأولى، وهي ظاهرة تُعرف باسم “فجوة الإعجاب”. وفي كتابها “علاقات أفلاطونية” ، تسلط عالمة النفس ماريسا فرانكو الضوء على أهمية تبني ما تسميه “توقع القبول”، أي الدخول إلى التفاعلات الاجتماعية بافتراض أن الآخرين قد يستمتعون بالتعرف إليك، بدلا من توقع رفضهم لك.

  • اذهب إلى الأماكن نفسها بانتظام:

احرص على الوجود باستمرار في أماكن تجمعك بأشخاص يشاركونك اهتماماتك، مثل الأندية والدورات والأنشطة التطوعية. فالتفاعل المتكرر يزيد الألفة، وقد يحول الغرباء تدريجيا إلى معارف ثم أصدقاء، وهو ما يرتبط في علم النفس بما يُعرف بـ”تأثير التعرض المتكرر”.

  • لا تبحث عن صديق مقرب في كل شخص:

خفف توقعاتك، فليس من الضروري أن تتحول كل علاقة جديدة إلى صداقة عميقة تتشاركان فيها جميع الأسرار. فالمعارف والعلاقات الاجتماعية البسيطة يمكن أن تمنحك أيضا شعورا بالانتماء والتواصل والدعم.

  • اسأل واستمع باهتمام:

لا يكفي أن تبدأ المحادثة؛ فإظهار الفضول الحقيقي تجاه الطرف الآخر والاستماع إليه يساعدان على بناء التقارب. اسأل عن اهتماماته وتجربته، وامنح الحوار فرصة للتطور بصورة طبيعية بدلا من الانشغال بترك انطباع مثالي.

  • فكر في الصداقات الجماعية:

قد يكون الانضمام إلى مجموعة أسهل من محاولة بناء كل صداقة بصورة منفردة. فالصداقات التي تنشأ داخل المجموعات توفر نقاط اتصال متعددة، وقد تساعد على استمرار التواصل حتى عندما ينشغل أحد أفراد المجموعة.

المصدر: الجزيرة
 ع.ه