بين جاذبية الأرض والقمر.. ناسا تستعد لاختبار غير مسبوق في الفضاء

بين جاذبية الأرض والقمر.. ناسا تستعد لاختبار غير مسبوق في الفضاء
04 أغسطس 2026
(شباب اف ام) -

منذ أن بدأ الإنسان عصر استكشاف القمر في ستينيات القرن الماضي، ظل التحدي الأكبر يتمثل في كيفية التنقل بأمان داخل البيئة المعقدة المحيطة به، حيث تتداخل جاذبية الأرض مع جاذبية القمر لتشكل مسارات مدارية تختلف عن المدارات التقليدية حول الأرض.

ومع عودة الاهتمام العالمي باستكشاف القمر عبر برنامج “أرتميس”، تسعى وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” إلى تطوير تقنيات جديدة تضمن تشغيل المركبات الفضائية بدقة وكفاءة في هذا الفضاء الفريد.وفي هذا السياق، أعلنت الوكالة عن مهمة جديدة تحمل اسم “كاب ستون 2” تهدف إلى اختبار قدرات الملاحة والاتصال والمناورة اللازمة لإنشاء وجود بشري مستدام على القمر والانطلاق لاحقا نحو أعماق النظام الشمسي.

مهمة جديدة استعدادا لعصر القواعد القمرية

تخطط ناسا لإطلاق المهمة خلال عام 2027، وتتكون من مسبارين صغيرين قادرين على المناورة بالقرب من بعضهما بعضا في أثناء دورانهما حول القمر.

وسيعمل المسباران في تشكيل طيراني متقارب ضمن “مدارات ثلاثية الأجسام”، بحيث يغير كل منهما دوره بالتناوب بين مركبة “مطاردة” وأخرى “هدف”، وهو أسلوب يتيح للمهندسين دراسة تأثيرات الجاذبية المشتركة للأرض والقمر على حركة المركبات الفضائية بدقة غير مسبوقة.

وتكمن أهمية هذه المهمة في أن المنطقة الواقعة بين الأرض والقمر لا تخضع لجاذبية جسم واحد فقط، بل تتأثر في الوقت نفسه بجاذبية الجرمين، وهو ما يجعل الملاحة فيها أكثر تعقيدا من المدارات المعتادة حول الأرض. وتوفر هذه البيئة فرصة لاختبار طرق جديدة للتحكم بالمركبات قبل الاعتماد عليها في الرحلات المأهولة المستقبلية.

وتتولى شركة “تيران أوربيتال” تصنيع المسبارين، بينما تشرف وكالة ناسا على تنفيذ المهمة وتحليل نتائجها.

تقنيات ملاحة ستخدم بعثات أرتميس

إلى جانب اختبار الحركة في هذه المدارات المعقدة، ستختبر المهمة أنظمة الاتصالات والملاحة التي ستستخدمها بعثات “أرتميس” المستقبلية، سواء لنقل رواد الفضاء إلى سطح القمر أو لإنشاء قاعدة قمرية دائمة.

وسيعتمد المسباران على مزيج من وسائل الملاحة، تشمل رصد الأجرام السماوية، والمستشعرات البصرية، والبيانات التي تجمعها التلسكوبات الأرضية، بما يسمح بتحديد موقعيهما بدقة في أثناء المناورات.

وتشبه هذه الطريقة ما ستعتمده مركبة أوريون عندما تلتقي بمركبات الهبوط القمرية في الرحلات القادمة، إذ ستستخدم مصادر متعددة للبيانات لضمان تنفيذ عمليات الالتقاء والالتحام بأمان.

وقال شون فولر، مدير مشروع “كاب ستون” التابع لبرنامج “قاعدة القمر” في وكالة ناسا، إن “هذه المهمة تمثل خطوة مهمة في تطوير القدرات اللازمة للعمل في الفضاء الواقع بين الأرض والقمر”.

وأضاف أن “كاب ستون تضع الأساس للبنية التحتية القمرية والخدمات التجارية التي ستدعم برنامج أرتميس، ومشروع قاعدة القمر، والبعثات المستقبلية إلى الفضاء السحيق”.

البناء على نجاح المهمة الأولى

تحمل المهمة الجديدة اسم “كاب ستون 2” لأنها تمثل الامتداد الطبيعي للمهمة الأولى ضمن البرنامج، التي أُطلقت عام 2022، واستمرت في العمل 4 أعوام قبل أن تعلن ناسا انتهاء مهمتها رسميا في يونيو/حزيران 2026.

وكانت المركبة الأولى، التي لم يتجاوز حجمها حجم فرن ميكروويف منزلي، أول مركبة فضائية تختبر عمليا العمل في المدارات التي تتأثر بجاذبية الأرض والقمر معا، كما اختبرت تقنيات اتصال وملاحة جديدة أثبتت نجاحها.

وعملت تلك المركبة في مدار خاص يتميز بدرجة عالية من الاستقرار نتيجة التوازن النسبي بين جاذبية الأرض والقمر، الأمر الذي وفر للمهندسين خبرة عملية مهمة شجعتهم على تطوير المهمة الجديدة باستخدام مركبتين بدلا من واحدة، بما يسمح بإجراء مناورات أكثر تعقيدا تحاكي ظروف البعثات البشرية المستقبلية.

ومن المنتظر أن تستفيد بعثة “أرتميس 3″، المقرر إطلاقها حاليا عام 2027، من نتائج هذه الاختبارات، إذ ستجري خلالها مركبة “أوريون” عمليات التقاء مع مركبة “بلو مون” التابعة لشركة “بلو أوريجين”، وكذلك مع مركبة “ستارشيب” التابعة لشركة “سبيس إكس” إذا سارت الخطط كما هو مقرر.

نحو مستقبل دائم للبشر على القمر

تمثل مهمة “كاب ستون” أكثر من مجرد تجربة تقنية، فهي خطوة أساسية في بناء منظومة متكاملة للنقل والاتصالات والملاحة حول القمر، وهي المنظومة التي ستتيح مستقبلا إنشاء قواعد مأهولة وتشغيل خدمات تجارية فضائية، وربما تحويل الفضاء القريب من القمر إلى محطة انطلاق نحو المريخ والوجهات الأبعد.

ويؤكد هذا المشروع أن استكشاف الفضاء لم يعد يعتمد على إطلاق مركبات جديدة فحسب، بل على تطوير علوم الملاحة والهندسة الفضائية التي تجعل الرحلات المستقبلية أكثر أمانا وكفاءة.

فكل تجربة ناجحة تضيف لبنة جديدة في بناء مستقبل يستفيد فيه الإنسان من الفضاء علميا وتقنيا، ويواصل فيه رحلة الاستكشاف التي بدأت منذ عقود ولا تزال تحمل آفاقا أوسع للأجيال القادمة.

المصدر: الجزيرة + وكالات
ع.ه