من علامة الجزاء.. قصص صنعت تاريخ كأس العالم

من علامة الجزاء.. قصص صنعت تاريخ كأس العالم
25 يونيو 2026
(شباب اف ام) -

منذ انطلاق النسخة الأولى لكأس العالم عام 1930، كان البحث عن فائز في مباريات خروج المغلوب يمثل معضلة تنظيمية وقانونية للاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا). ولسنوات طويلة، كانت المباريات التي تنتهي بالتعادل بعد الأشواط الإضافية تُحسم إما بإعادة المباراة أو بإجراء قرعة، وهي حلول لم تكن ترضي الجماهير أو المنتخبات.

ومع تطور اللعبة، تبنى مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (IFAB) نظام “ركلات الترجيح من علامة الجزاء”، ليدخل حيز التنفيذ في المونديال بدءاً من نسخة إسبانيا عام 1982، محولاً هذه اللحظات إلى جزء أصيل من تاريخ البطولة ومحدد لمصير الألقاب.

التجربة الأولى

بحسب مؤسسة إحصاءات وثيقة لرياضة كرة القدم، في 8 يوليو/تموز 1982، شهد العالم أول تطبيق عملي لهذا النظام في نصف نهائي المونديال بين ألمانيا الغربية وفرنسا على ملعب “رامون سانشيز بيزخوان”. كانت المباراة ملحمية بحد ذاتها، بعد أن عاد منتخب “المانشافت” من تأخر بنتيجة 1-3 في الأشواط الإضافية ليفرض التعادل 3-3، ثم يفوز عن طريق ركلات الترجيح بنتيجة 5-4.

كانت تلك الليلة في إشبيلية إعلانا رسميا عن عصر جديد في كرة القدم، إذ لم يعد يكفي المجهود البدني والمهاري وحده لحسم المواجهات، بل أصبحت القدرة على السيطرة على الأعصاب تحت ضغط هائل هي الفاصل.

باجيو مات واقفا

ومع توالي النسخ، انتقل هذا “الاختبار القاسي” من الأدوار الإقصائية إلى واجهة المشهد الكروي العالمي “المباراة النهائية”. كان عام 1994 في الولايات المتحدة شاهدا على أول نهائي يُحسم بهذه الطريقة بين البرازيل وإيطاليا.

بعد 120 دقيقة خلت من الأهداف، اتجه الطرفان إلى ركلات الترجيح. استمر الضغط حتى الركلة التي نفذها النجم الإيطالي روبرتو باجيو، حين أطاح بالكرة فوق المرمى، مانحاً البرازيل لقبها الرابع ومسجلاً واحدة من أكثر الصور تعبيراً عن خيبة الأمل في تاريخ الرياضة، الصورة التي عنونت بـ”باجيو مات واقفا”.

الحظ يبتسم للآزوري

وتكرر المشهد في نهائي عام 2006 ببرلين، حين تواجهت إيطاليا وفرنسا في مباراة سيطر عليها التوتر بعد واقعة طرد زين الدين زيدان.

مدرب منتخب إيطاليا الفائئز بكأس العالم 2006 مارتشيللو ليبي يحتفل بالفوز مع لاعبيه (رويترز)
منتخب إيطاليا فاز بكأس العالم 2006 بركلات الترجيح على فرنسا (غيتي)

انتهى الوقتان الأصلي والإضافي بالتعادل 1-1، لتنتقل الكلمة الفاصلة لركلات الترجيح التي ابتسمت هذه المرة للطليان بنتيجة 5-3، بعد أن أضاع دافيد تريزيغيه ركلته.

نهائي ملحمي في قطر 2022

ولعل المباراة الأبرز في عمر المونديال هي نهائي قطر 2022، حين قدمت الأرجنتين وفرنسا أداءً تاريخياً انتهى بالتعادل 3-3 بعد وقت إضافي جنوني.

في ركلات الترجيح، ظهر الحارس الأرجنتيني إيميليانو مارتينيز كعنصر حاسم في تحويل وجهة اللقب، مستخدماً تكتيكات الضغط النفسي وتصديه لركلة كينغسلي كومان، ما مهد الطريق أمام ليونيل ميسي ورفاقه لحصد النجمة الثالثة للأرجنتين بنتيجة 4-2 في ركلات الحظ وتحديد المصير.

مباريات تاريخية

تاريخياً، تفاوتت سجلات المنتخبات في هذا الاختبار. إذ تتربع الأرجنتين على قمة الأكثر خوضا لهذه السلسلة في المونديال في 7 مناسبات، فازت في 6 منها، ما يمنحها لقب بطلة “ركلات الترجيح”. في المقابل، تُعتبر ألمانيا النموذج المثالي للكفاءة، إذ خاضت ركلات الترجيح في 4 مباريات بـ 4 نسخ (1982، 1986، 1990، 2006) ولم تخسر أي منها.

في المقابل، فإن علاقة المنتخب الإنجليزي مع ركلات الترجيح يشوبها سوء تفاهم، إذ كان لسنوات طويلة يعاني من “عقدة” هذا النظام، قبل أن يكسرها في نسخة روسيا 2018 بالفوز على كولومبيا 4-3، محققاً أول انتصار في ركلات الترجيح في تاريخ مشاركاته، بعد 3 هزائم.

July 3, 2018; Moscow, Russia; England players celebrate after defeating Colombia in penalty kicks in the round of 16 during the FIFA World Cup 2018 at Spartak Stadium. Mandatory Credit: PA Images/Sipa USA via USA TODAY Sports
لاعبو إنجلترا يحتفلون بفوزهم الأول عن طريق ركلات الترجيح (رويترز)

كما لا يمكن إغفال مباريات مثل مواجهة غانا وأوروغواي في ربع نهائي 2010، التي تعتبر مثالاً للدراما المونديالية؛ حين أضاع أسامواه جيان ركلة جزاء في الدقيقة 120 بعد لمسة يد متعمدة من لويس سواريز، لتؤول المباراة بعدها لركلات الترجيح التي ابتسمت للأوروغواي.

ربع نهائي إيطاليا 1990.. الوداع الصعب

في مونديال 1990 الذي أقيم في إيطاليا، كانت صاحبة الأرض تطمح للقب، وواجهت في نصف النهائي منتخب الأرجنتين بقيادة دييغو مارادونا. بعد التعادل 1-1، ذهبت المباراة لركلات الترجيح في ملعب “سان باولو” في نابولي، المدينة التي يعشقها مارادونا. كان الضغط النفسي هائلاً، وانتهت الركلات بتفوق الأرجنتين 4-3، حيث أهدر لاعبا إيطاليا روبرتو دونادوني وألدو سيرينا ركلتيهما أمام الحارس الأرجنتيني سيرجيو غويكوتشيا، الذي أصبح بطلا قوميا بعد هذه الليلة، ليُقصى أصحاب الأرض وسط صمت رهيب في المدرجات.

ربع نهائي فرنسا 1998.. الطريق إلى التتويج

في رحلة فرنسا نحو لقبها الأول على أرضها عام 1998، واجهت في ربع النهائي منتخب إيطاليا الصلب. انتهت المباراة بالتعادل السلبي وسط حذر تكتيكي شديد. في ركلات الترجيح، أضاع كل من ديميتريو ألبرتيني ولويجي دي بياجو ركلتين لإيطاليا، بينما نجحت فرنسا في تسجيل ركلاتها لتفوز 4-3 حتى قبل التسديدة الخامسة.

ثمن نهائي كوريا الجنوبية واليابان 2002.. القدر

هذه المباراة تعتبر واحدة من أكثر المباريات إثارة للجدل في تاريخ البطولة. في ربع النهائي، ألغى الحكم هدفين لإسبانيا، وانتهت المباراة بالتعادل السلبي. في ركلات الترجيح، كانت كوريا الجنوبية أكثر دقة، إذ سجلت جميع ركلاتها الخمس، بينما أضاع خواكين سانشيز الركلة الرابعة لإسبانيا، لتنتهي المباراة 5-3 لصالح الكوريين. لم تكن هذه الركلات عادلة من منظور فني بحت، نظراً للقرارات التحكيمية التي سبقتها، لكنها تظل شاهدة على لحظة تاريخية لكوريا الجنوبية.

ربع نهائي البرازيل 2014.. فان غال المخادع

في مونديال البرازيل 2014، قدمت كوستاريكا أداء إعجازيا ووصلت لربع النهائي لمواجهة هولندا. انتهى الوقتان الأصلي والإضافي 0-0. وفي خطوة تكتيكية غير مسبوقة قبل ركلات الترجيح مباشرة، قام المدرب الهولندي لويس فان غال بتبديل الحارس الأساسي ياسبر سيلسن بالحارس الاحتياطي تيم كرول. نجح كرول بفضل طول قامته والضغط النفسي في التصدي لركلتي ترجيح، ليقود هولندا للفوز 4-3، وهي واقعة وُصفت بأنها “قمة التخطيط الرياضي” على حساب “الصدفة”.

LUSAIL CITY, QATAR - DECEMBER 18: Lionel Messi of Argentina lifts the FIFA World Cup Qatar 2022 Winner's Trophy during the FIFA World Cup Qatar 2022 Final match between Argentina and France at Lusail Stadium on December 18, 2022 in Lusail City, Qatar. (Photo by Julian Finney/Getty Images)
ميسي قاد الأرجنتين للقب الثالث بركلات الترجيح على حساب فرنسا في قطر 2022 (غيتي)

ثمن نهائي قطر 2022.. معجزة أسود الأطلس

في نسخة قطر 2022، واجه المغرب منتخب إسبانيا في ثمن النهائي. بعد 120 دقيقة من الصمود الدفاعي والندية الكبيرة، احتكم الفريقان لركلات الترجيح. هنا، برز الحارس المغربي ياسين بونو، الذي تصدى لثلاث ركلات جزاء. فاز المغرب بعدها 3-0، تتويجاً لواقعيته وصلابته الذهنية التي جعلت منه أول منتخب عربي وأفريقي يصل لنصف نهائي المونديال.

المصدر: الجزيرة
س.ب