لم تكن الأشهر الستة التي قضاها الصحفي الأسير المحرر مجاهد بني مفلح، بين الأسر ورحلة العلاج، مجرد فترة اعتقال عابرة، بل تجربة ثقيلة تركت آثارها العميقة في الجسد والروح، وامتدت فصولها إلى رحلة علاج طويلة، ما زالت شاهدة على ما خلفته السجون من أوجاع، يصفها مجاهد بحُرقة في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
“أربعة عشر شهرًا كانت كفيلة بأن تعلّمني أن الصحة تاج، وأن الحرية حياة، وأن الكرامة ليست تفصيلًا صغيرًا، بل هي روح الإنسان نفسها”
يتحدث بني مفلح عن تلك المرحلة بوصفها عمرًا كاملًا من المعاناة؛ أيامًا طويلة عاش خلالها الجوع حتى أصبح الخبز حلمًا، والعطش حتى غدت جرعة الماء نعمة استثنائية. وبين جدران السجن، واجه أشكالًا متعددة من الإذلال والتعذيب، تركت ندوبًا تتجاوز الجسد إلى أعماق النفس.
يقول مجاهد: “هناك، بين الجدران الباردة والليالي الطويلة، تعلّمت كيف يمكن للجوع أن يكسر الكبرياء، وكيف يمكن للألم أن يجرّد الإنسان من كل شيء إلا إيمانه وصبره. رأيت الوقت متجمّدًا، والدقائق تمضي كأنها سنوات، ورأيت كيف يكشف البلاء حقيقة الوجوه والمواقف؛ من بقي، ومن غاب، ومن كان حضوره مجرد وهم”.
“ثم جاءت رحلة العلاج الطويلة، كامتدادٍ لذلك الألم؛ وجعٌ فوق وجع، ومحاولة يومية لاستعادة ما سُلب من الجسد والروح”.
ويضيف: “في هذه الرحلة القاسية، أدركت أن النعم التي كنا نعدّها عادية كانت أثمن مما تخيّلنا: لقمة شبع، نومٌ آمن، نفسٌ بلا ألم، خطوة بلا عجز، ووجهُ حبيبٍ تراه بلا قيود”.
يقول مجاهد: “أربعة عشر شهرًا كانت كفيلة بأن تعلّمني أن الصحة تاج، وأن الحرية حياة، وأن الكرامة ليست تفصيلًا صغيرًا، بل هي روح الإنسان نفسها”.
ويختم مجاهد بالقول: “بعض التجارب لا تمرّ بنا فقط، بل تحفر في أعماقنا حقيقةً لا تُنسى: أن ما نملكه اليوم قد يصبح غدًا أمنية، وأن أبسط النعم… قد تكون أعظم ما في الحياة”.
يُشار إلى أن الصحفي مجاهد بني مفلح، نُقل إلى المستشفى، بعد ثلاثة أيام فقط على تحرّره من سجون الاحتلال الإسرائيلي، إثر تدهور حاد في وضعه الصحي نتيجة نزيف في الدماغ وارتفاع خطير في ضغط الدم، في ظل معاناة طويلة من الإهمال الطبي وتعرضه للاعتداءات والتجويع خلال فترة اعتقاله.
وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت الزميل مجاهد بني مفلح في نهاية شهر حزيران/يونيو من العام الماضي بعد اقتحام منزله في بلدة بيتا جنوبي نابلس، ثم نُقل إلى سجن “منشة” التابع لمعسكر “سالم” شمالي الضفة الغربية.
وبعد 10 أيام من اعتقاله، حولته محاكم الاحتلال للاعتقال الإداري لمدة أربعة أشهر، ومن ثم مدد اعتقاله لمدة شهرين.
وخلال اقتحام منزل الزميل مجاهد، اعتدى جنود الاحتلال عليه بالضرب، وخرّبوا مكتبه الشخصي، وصادروا جهاز الحاسوب الخاص به، بعد أن التقطوا صورًا له أثناء استخدامه.
والصحفي مجاهد بني مفلح أبٌ لثلاثة أبناء، خريج كلية الصحافة والإعلام في جامعة القدس، ويعمل محررًا في موقع الترا فلسطين. ويعاني من مرض السكري، فيما اعتقلته قوات الاحتلال دون السماح له بتبديل ملابس النوم.
وسبق أن تعرّض مجاهد للاعتقال مرتين؛ الأولى عام 2015، حيث أُفرج عنه بعد نحو أسبوع، والثانية عام 2020، واستمر اعتقاله حينها أسبوعين قبل الإفراج عنه دون صدور حكم بحقه.
نادي الأسير: صورة الصحفي مجاهد بني مفلح تختزل حقيقة السجن الإبادي الإسرائيلي
قال نادي الأسير، اليوم الأربعاء: إن الهيئة الصحية التي وصل إليها الصحفي المعتقل سابقًا مجاهد بني مفلح، بعد مرور نحو ستة أشهر على الإفراج عنه، إثر رحلة علاجية شاقة فرضتها المضاعفات الخطيرة التي أصابته نتيجة ما تعرض له في سجون الاحتلال الإسرائيلي خلال ستة أشهر من الاعتقال الإداري، تختزل المعنى الحقيقي للسجن الإبادي الإسرائيلي، الذي تحوّل إلى أداة للقتل البطيء والمباشر بحق الأسرى.
وأكد نادي الأسير، في بيان، أن حالة الصحفي بني مفلح ليست استثناءً، بل تمثل واحدة من بين آلاف الحالات التي واجهت وتواجه جرائم ممنهجة داخل منظومة السجون الإسرائيلية، عبر التعذيب والتجويع والحرمان الكلي من العلاج، والاعتداءات الجسدية والنفسية بمختلف مستوياتها، إلى جانب سياسة الإرهاب النفسي المستمرة التي تُمارس بحق الأسرى على مدار الساعة.
وأضاف، أن المؤسسات المختصة تابعت مئات الحالات لأسرى محررين خرجوا من السجون بأوضاع صحية ونفسية بالغة الخطورة، إلا أن كثيرًا منها لم يُكشف للرأي العام بسبب حالة الخوف والصدمة والرعب التي يعيشها الأسرى المحررون وعائلاتهم، خشية إعادة اعتقالهم. كما استُشهد عدد من الأسرى المحررين بعد فترات وجيزة من الإفراج عنهم، متأثرين بالجرائم والانتهاكات التي تعرضوا لها خلال اعتقالهم.
- المصدر: ألترا فلسطين + نادي الأسير
- ي.ك




