هل يملك الكركم والفلفل الأسود مفتاح تهدئة الالتهاب؟

هل يملك الكركم والفلفل الأسود مفتاح تهدئة الالتهاب؟
11 يونيو 2026
(شباب اف ام) -

في السنوات الأخيرة، تحولت نصيحة بسيطة مثل “أضف الفلفل الأسود إلى الكركم” إلى واحدة من أكثر الوصفات تداولا بين المهتمين بالصحة والتغذية. لا يكاد يخلو منشور عن الالتهاب أو آلام المفاصل أو مشكلات الهضم من الحديث عن هذا الثنائي، بوصفه مزيجا طبيعيا قادرا على تعزيز المناعة وتهدئة الألم ومساعدة الجسم في مواجهة الالتهاب المزمن.

لكن السؤال الأهم: هل نحن أمام وصفة شعبية مبالغ فيها، أم أن الدراسات تمنح الكركم والفلفل الأسود مكانا حقيقيا في النقاش العلمي؟

الإجابة ليست حاسمة تماما، لكنها واعدة، فالأبحاث المخبرية والسريرية تشير إلى أن المادة الفعالة في الكركم، المعروفة باسم الكركمين، تملك خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة، بينما يساعد البيبيرين، وهو المركب النشط في الفلفل الأسود، على تحسين امتصاص الكركمين داخل الجسم.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن الكركم علاج بديل للأدوية، بل قد يكون عاملا مساعدا يحتاج إلى مزيد من التجارب الواسعة قبل اعتماده طبيا بصورة قاطعة.

توابل
مركب البيبيرين الموجود في الفلف الأسود يساعد على رفع امتصاص الكركمين (شترستوك)

لماذا لا يعمل الكركم بكامل قوته وحده؟

يحتوي الكركم على مجموعة من المركبات النشطة تعرف باسم الكركمينويدات، ويعد الكركمين أشهرها وأكثرها دراسة. وقد لفت هذا المركب اهتمام الباحثين بسبب تأثيراته المحتملة في مسارات الالتهاب والإجهاد التأكسدي، وهي مسارات تدخل في أمراض مزمنة كثيرة، من اضطرابات المفاصل والجهاز الهضمي إلى بعض الأمراض الجلدية والمناعية.

غير أن المشكلة الأساسية في الكركمين لا تكمن في غياب الفاعلية، بل في ضعف وصوله إلى الجسم بالصورة المطلوبة. فالكركمين ضعيف الذوبان، سريع التكسير، ولا يمتصه الجسم بكفاءة عالية عند تناوله وحده. لذلك ظهرت محاولات علمية لتحسين امتصاصه، من بينها استخدام الجسيمات النانوية، أو المستخلصات المركزة، أو دمجه مع مواد تعزز توافره الحيوي.

هنا يظهر دور الفلفل الأسود. فمركب البيبيرين الموجود فيه يساعد على رفع امتصاص الكركمين، وقد أشارت دراسات إلى أنه قد يزيد توافره الحيوي بدرجات كبيرة تختلف حسب الجرعة وطريقة التحضير. ولهذا أصبح الجمع بين الكركمين والبيبيرين محورا متكررا في الدراسات التي تحاول اختبار أثر هذا المزيج في الالتهاب والألم وبعض الأمراض المزمنة.

كيف يهدئ الكركمين الالتهاب؟

الالتهاب ليس مجرد ألم أو تورم ظاهر، بل سلسلة معقدة من الإشارات الحيوية داخل الجسم. تبدأ العملية عادة بمحفزات الالتهاب، ثم تستجيب لها الخلايا عبر مستقبلات ومسارات داخلية، قبل أن تنتج مواد وسيطة مثل السيتوكينات، وهي مركبات تسهم في تضخيم الاستجابة الالتهابية.

وتشير دراسات مخبرية إلى أن الكركمين قد يتدخل في أكثر من نقطة داخل هذه السلسلة، منها تقليل نشاط بعض المسارات الالتهابية، والتأثير في مركب يعرف باسم NLRP3، وهو أحد العناصر المرتبطة بتنشيط الاستجابة الالتهابية داخل الخلايا المناعية.

هذه الآلية لا تزال موضع بحث، لكنها تفسر لماذا يدرس العلماء الكركمين في أمراض تتداخل فيها المناعة والالتهاب، مثل أمراض الأمعاء الالتهابية والصدفية.

الألم المزمن.. نتائج مشجعة ومحدودة

في تجربة سريرية عشوائية تبادلية أجريت في الولايات المتحدة ونشرت عام 2026، حاول الباحثون اختبار أثر الكركم وحده أو مع الفلفل الأسود على الألم المزمن. شملت التجربة 30 مشاركا أعمارهم 40 عاما فأكثر، وكانوا يعانون من ألم مزمن متوسط الشدة، واستمرت 21 يوما.

اعتمد الباحثون على متابعة يومية عبر رسائل نصية تصل إلى المشاركين 3 مرات يوميا، تضمنت أسئلة عن مستوى الألم الذي يشعرون به. وأظهرت النتائج أن تناول كميات غذائية معتادة من الكركم، سواء بمفرده أو مع الفلفل الأسود، ارتبط بتحسن ملحوظ في متوسط درجات الألم.

لكن اللافت أن إضافة الفلفل الأسود لم تصنع فارقا واضحا في هذه التجربة، كما لم تظهر فروق كبيرة بين الجرعات المختلفة. ورغم أن النتيجة تبدو مشجعة، فإن الدراسة لا تكفي وحدها لإصدار حكم نهائي، بسبب صغر حجم العينة، وقصر مدة التجربة، وعدم وجود مجموعة ضابطة تتلقى دواء وهميا، إلى جانب مشكلات في التزام بعض المشاركين بجمع البيانات طوال فترة الدراسة.

بمعنى آخر، يمكن القول إن الكركم أظهر إشارة إيجابية في تخفيف الألم، لكن هذه الإشارة تحتاج إلى دراسات أكبر وأكثر ضبطا قبل تحويلها إلى توصية علاجية عامة.

الالتهاب المزمن.. مراجعة واسعة تفتح الباب

في مايو/أيار 2026، نشرت مجلة فرونتيرز إن نيوترشن (Frontiers in Nutrition) مراجعة منهجية تناولت مكملات الكركمين مع البيبيرين، بهدف تقييم أثرها في حالات مرضية ترتبط بالالتهاب أو الأيض أو المناعة أو القلب والرئة.

شملت المراجعة 19 تجربة عشوائية مضبوطة، نشرت بين يناير/كانون الثاني 2000 ويناير/كانون الثاني 2026. تراوحت أعداد المشاركين في التجارب بين 8 و117 مشاركا، وامتدت فترات التدخل من أسبوع واحد إلى 12 أسبوعا. أما الجرعات فكانت غالبا بين 500 و1500 ملغم يوميا من الكركمين، و5 إلى 15 ملغما يوميا من البيبيرين.

خلصت المراجعة إلى أن مكملات الكركمين مع البيبيرين أظهرت تحسنا في مؤشرات الالتهاب والإجهاد التأكسدي والتمثيل الغذائي في عدد من التجارب، خصوصا لدى الفئات التي تعاني من التهاب منخفض الدرجة أو اضطرابات أيضية مثل متلازمة التمثيل الغذائي والسكري من النوع الثاني والكبد الدهني غير الكحولي وأمراض القلب.

ومع ذلك، شدد الباحثون على أن النتائج لا تزال بحاجة إلى حذر، فالكثير من الدراسات اعتمدت على مؤشرات مخبرية أكثر من اعتمادها على نتائج سريرية مباشرة يشعر بها المريض، كما أن حجم العينات كان محدودا، والفترات قصيرة، والتنوع الجغرافي غير كاف. لذلك تبقى الحاجة قائمة إلى تجارب أطول وأوسع لتحديد الجرعات المثلى ومدى الأمان على المدى البعيد.

أمل لمرضى كرون والقولون التقرحي

تعد أمراض الأمعاء الالتهابية، وعلى رأسها داء كرون والقولون التقرحي، من الحالات المزمنة التي تتشابك فيها المناعة مع الالتهاب. ففي هذه الأمراض، يتضرر الحاجز المعوي وتتكرر نوبات الالتهاب، مما يسبب ألما واضطرابات هضمية وإرهاقا مستمرا، وقد يؤثر بعمق في جودة حياة المريض.

لهذا السبب جذب الكركمين انتباه الباحثين. ففي دراسات مخبرية وتجارب على نماذج حيوانية، أظهر الكركمين قدرة على تخفيف شدة التهاب القولون، وتقليل بعض مؤشرات الالتهاب المرتبطة بمركب NLRP3، كما ارتبط في نماذج الفئران بتحسن في مؤشرات مثل فقدان الوزن وانكماش طول القولون الناتج عن الالتهاب.

لكن التجارب على البشر أكثر تعقيدا. ففي تجربة سريرية عشوائية مزدوجة التعمية أجريت في البرازيل بين عامي 2021 و2023، درس الباحثون أثر الكركمين مع البيبيرين لدى مرضى داء الأمعاء الالتهابي.

شملت التجربة 51 مريضا فوق 18 عاما، قسموا إلى 3 مجموعات: مجموعة تلقت 1000 ملغم من الكركمين مع 10 ملغم من البيبيرين يوميا، ومجموعة تلقت 1000 ملغم من الكركمين وحده، ومجموعة ثالثة تلقت دواء وهميا، واستمرت المتابعة 12 أسبوعا.

أظهرت النتائج، المنشورة في مجلة فارماسوتيكلز (Pharmaceuticals) عام 2024، أن مجموعة الكركمين مع البيبيرين سجلت تحسنا في بعض مؤشرات الدفاع المضاد للأكسدة، خصوصا ما يتعلق بالتوازن التأكسدي داخل الجسم. غير أن مؤشرات الالتهاب نفسها لم تسجل فروقا واضحة مقارنة بالمجموعة الضابطة.

هذا يعني أن التركيبة قد تساعد في تحسين جانب من اختلال التوازن التأكسدي لدى مرضى الأمعاء الالتهابية، لكنها لم تثبت بعد قدرتها الحاسمة على كبح الالتهاب سريريا. ولذلك يمكن النظر إلى الكركمين والبيبيرين هنا كخيار مساعد واعد، لا كبديل عن العلاجات الطبية المعتمدة.

مفاهيم خاطئة حول الصدفية
التعرض للكركمين أدى إلى انخفاض واضح في بعض السيتوكينات الالتهابية لدى عدد من المرضى بالصدفية (الجزيرة)

الصدفية.. حين ينتقل الالتهاب إلى الجلد

الصدفية ليست مجرد مشكلة جلدية سطحية، بل مرض التهابي مناعي مزمن يصيب ملايين الأشخاص حول العالم. ويحدث فيه اضطراب في نشاط المناعة يؤدي إلى إفراز سيتوكينات التهابية، ثم تسارع نمو خلايا الجلد وتراكمها في شكل طبقات سميكة وقشور مزعجة.

في دراسة مخبرية نشرت عام 2020، فحص باحثون من اليونان تأثير الكركمين في خلايا مأخوذة من 34 مريضاً بالصدفية، وقارنوها بعينات من 15 شخصاً سليماً. وأظهرت النتائج أن التعرض للكركمين أدى إلى انخفاض واضح في بعض السيتوكينات الالتهابية، وأن هذا التأثير زاد مع ارتفاع الجرعة داخل التجربة المخبرية.

كما دعمت دراسات حيوانية هذه الفرضية. ففي تجربة أجريت على نموذج فئران مصابة بالصدفية، ونشرت عام 2016، تمكن الكركمين من خفض مستويات عدد من العوامل الالتهابية في مصل الفئران بأكثر من 50%، بما في ذلك TNF-α وIFN-γ وIL-23.

لكن رغم هذه الإشارات القوية، فإن الطريق لا يزال طويلا قبل القول إن الكركمين علاج للصدفية. فمعظم الأدلة المتاحة ما زالت مخبرية أو على نماذج حيوانية، بينما تحتاج الصدفية إلى تجارب سريرية واسعة على البشر، تقيس التحسن الحقيقي في شدة المرض ونوعية الحياة، لا مجرد تغير مؤشرات الالتهاب في المختبر.

هل يمكن الاعتماد على الكركم والفلفل الأسود؟

تقول الدراسات حتى الآن إن الكركمين، خصوصا عندما يضاف إليه البيبيرين، يملك إمكانات واعدة في تهدئة الالتهاب وتحسين بعض مؤشرات الإجهاد التأكسدي. لكن هذه الإمكانات لا تعني أنه علاج قائم بذاته، ولا أنه يصلح لكل المرضى أو لكل الحالات.

فالجرعات المستخدمة في الدراسات عادة أعلى بكثير من الكميات التي يحصل عليها الإنسان من الطعام اليومي. كما أن المكملات المركزة قد تتداخل مع بعض الأدوية، خاصة مميعات الدم وبعض أدوية القلب والسكري والمناعة، وقد لا تكون مناسبة للحوامل أو مرضى الكبد أو من يستعدون لجراحات، إلا بعد استشارة الطبيب.

لذلك تبقى الخلاصة الأكثر توازنا أن الكركم مع الفلفل الأسود ليسا “معجزة علاجية”، وليسا أيضا مجرد خرافة غذائية. إنهما مزيج طبيعي تدعمه إشارات علمية متزايدة، لكنه ما زال في منطقة الوعد البحثي لا الحسم العلاجي. يمكن إدخالهما في الغذاء ضمن نظام صحي متوازن، لكن استخدامهما كمكملات بجرعات عالية يجب أن يكون تحت إشراف طبي، خصوصا لدى أصحاب الأمراض المزمنة.

المصدر: الجزيرة
س.
ب