الأغوار الشمالية.. تغيّرات “ديموغرافية” تحت وطأة التهجير والاستعمار الرعوي

مستوطنون ينصبون خيامًا في الأغوار الشمالية
26 مايو 2026
(شباب اف ام) -

 وفا- الحارث الحصني

على سفح جبل في خربة مكحول بالأغوار الشمالية، يجلس أحمد خلف سمارة (أبو خلف)، التسعيني الذي أمضى معظم عمره متنقلاً بين مراعي الأغوار وتجمعاتها البدوية، شاهداً على تحولات عميقة طالت المكان وسكانه. ومن خلال ذاكرته الممتدة لعقود، يروي قصة تراجع الوجود الفلسطيني في المنطقة الشرقية لمحافظة طوباس، في مشهد يصفه بأنه “حرب ديموغرافية” مستمرة تستهدف الأرض والإنسان معاً.

يرى سمارة أن الإجراءات العسكرية الإسرائيلية والتوسع المتسارع للاستعمار الرعوي شكّلا العاملين الرئيسيين في تغيير الواقع السكاني بالأغوار الشمالية، وهي رواية تتقاطع مع تقديرات باحثين وحقوقيين يوثقون تراجعاً حاداً في أعداد العائلات الفلسطينية المقيمة في المنطقة خلال العقود الأخيرة.

ويؤكد الباحث في شؤون الاستعمار سهيل خليلية أن سياسات الاحتلال المتمثلة في الهدم والإخطارات العسكرية، وإقامة الحواجز، والاقتحامات المتكررة، والاستيلاء على الأراضي ومصادر المياه تحت مسميات مختلفة، إلى جانب التوسع المتسارع للبؤر الاستعمارية الرعوية، أدت إلى تضييق الخناق على الفلسطينيين ودفع أعداد متزايدة منهم إلى الرحيل عن مناطق سكنهم التقليدية.

وتشير ورقة بحثية أصدرها معهد الأبحاث التطبيقية “أريج” في أيار/ مايو 2026، إلى أن إسرائيل انتهجت منذ النكبة سياسات هدفت إلى إعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي الفلسطيني، عبر السيطرة على الأرض وتقليص الحيز المتاح للفلسطينيين. ووفق الورقة، فقد تعززت هذه السياسات بعد احتلال عام 1967 من خلال إجراءات هدفت إلى خلق وقائع ديموغرافية وجغرافية دائمة تخدم المشروع الاستعماري الاستيطاني.

تراجع سكاني حاد

ويقول الناشط الحقوقي عارف دراغمة إن عدد العائلات الفلسطينية التي كانت تقيم في تجمعات الأغوار الشمالية بلغ في فترات سابقة نحو 600 عائلة، فيما لا يتجاوز عددها اليوم 50 عائلة في بعض المناطق والتجمعات البدوية، ما يعكس حجم التغير الذي طرأ على المشهد السكاني.

وتعزز هذه الصورة معطيات صادرة عن مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة “بتسيلم”، التي تشير إلى أن الفترة التي أعقبت السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 شهدت موجة تهجير واسعة في الضفة الغربية، طالت عشرات التجمعات الفلسطينية في المناطق المصنفة (ب) و(ج)، نتيجة اعتداءات المستعمرين والإجراءات الإسرائيلية المختلفة.

وفي الأغوار الشمالية تحديداً، أدت اعتداءات المستعمرين إلى تهجير ثمانية تجمعات فلسطينية بشكل كامل، هي: أم الجمال، وخلة خضر، ووادي الفاو، وخربة ابزيق، والميتة، والبرج، وشرق العقبة، وخربة يرزا، فيما بلغ عدد العائلات التي أُجبرت على الرحيل عن هذه التجمعات 88 عائلة تضم أكثر من 500 فرد.

الاستعمار الرعوي.. أداة للسيطرة على الأرض

ويرى مختصون أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة الاستعمار الرعوي، التي تحولت إلى إحدى أبرز أدوات السيطرة على مساحات واسعة من أراضي الأغوار.

وتوضح دراسات وأوراق سياسات أن البؤر الرعوية لا تقتصر على إقامة منشآت استيطانية جديدة، بل تعتمد على فرض واقع ميداني يمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم ومراعيهم ومصادر مياههم، عبر الاعتداءات المتكررة والترهيب المستمر، الأمر الذي يدفع العديد من العائلات إلى مغادرة أماكن إقامتها تدريجياً.

ويشير الباحث أمير داوود، في ورقة سياسات تناولت تهجير التجمعات البدوية في الأغوار بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إلى أن الأعوام الأخيرة شهدت ارتفاعاً غير مسبوق في وتيرة اعتداءات المستعمرين، خصوصاً في المناطق الرعوية، ما أسهم في خلق ظروف معيشية قاسية دفعت عشرات الأسر إلى النزوح.

أرقام تعكس اتساع المشروع الاستعماري

وبحسب معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، تضم محافظة طوباس والأغوار الشمالية تسع مستعمرات و15 بؤرة استعمارية.

كما تشير بيانات “أريج” إلى أن عدد المستعمرين الإسرائيليين في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تجاوز مع بداية عام 2026 نحو 950 ألف مستعمر، من بينهم أكثر من 340 ألفاً في القدس الشرقية، مقارنة بنحو 240 ألفاً فقط عام 1993، ما يعكس تسارعاً كبيراً في التوسع الاستعماري خلال العقود الثلاثة الماضية.

فخلال العقود الماضية حسب “أريج”، أنشأت إسرائيل أكثر من 300 مستعمرة و320 بؤرة استعمارية، من بينها 18 مستعمرة في القدس الشرقية، إضافة إلى عشرات البؤر والمواقع الاستعمارية داخل البلدة القديمة ومحيطها.

ويرى خليلية أن هذا التوسع لم يكن نتيجة النمو السكاني الطبيعي فقط، بل جاء ضمن استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد تستهدف تعزيز السيطرة على الأراضي الفلسطينية، خاصة في الأغوار والسفوح الشرقية، عبر توسيع المستعمرات القائمة وشرعنة البؤر الجديدة وربطها بشبكات الطرق والبنية التحتية الإسرائيلية.

شهادة على التحول

بالنسبة لأحمد سمارة، فإن الأرقام والإحصاءات ليست سوى انعكاس لما شاهده بعينيه على مدار عقود. فالرجل الذي تنقل بين مناطق الأغوار المختلفة قبل أن يستقر في خربة مكحول، يتذكر زمناً كانت فيه التجمعات البدوية تعج بالعائلات الفلسطينية ومواشيها، قبل أن تتقلص تدريجياً بفعل الضغوط المتواصلة.

ويقول: “بسبب الاستعمار هجرت أغلب العائلات الفلسطينية من الأغوار الشمالية“.

وتختصر هذه الشهادة، بحسب متابعين، مساراً طويلاً من التحولات الديموغرافية التي شهدتها الأغوار الشمالية، حيث تراجع الوجود الفلسطيني في العديد من التجمعات مقابل توسع استعماري متواصل، في واحدة من أكثر المناطق الفلسطينية استهدافاً بسياسات السيطرة على الأرض وإعادة تشكيل الواقع السكاني.

ع.د